جرة ذهب - الحلقة الثامنة

وبعد وصولنا واد فسيح أُمرنا بالتخييم، وحين حاول روهان بيك الاستفسار عما يحدث، عومل بجلافة، فأخذ يدمدم:

- إنها قافلة لصوص ومهربين.

ومع فجر السبت انضم المزيد من الأشخاص مجهولي الهوية إلى القافلة، كاد الظمأ يفتك بنا، والقافلة تفتقر إلى الطعام والماء، ولم يتبق بحوزتنا سوى مطرات لا تكفي لساعات في هذا الحر الشديد.

صادقت مرادًا؛ أحد الجنود السبعة برفقتنا، وتبين أنه من بلدي (بورصة)، فحاولت فهم ما يدور حولنا، وسألته عن طبيعة المهمة التي أوكلوه بها، فردَّ عليَّ ساخرًا:

- اسأل أحد البغال فربما يعرف أكثر منا.

قاطع حديثنا جندي وأبلغه استدعاء عاجلاً من قِبَل القائد؛ فتركني سريعًا.

مر الوقت بطيئا، مازلنا نجهل ما يدور حولنا؛ وَمَنْ يصدرون الأوامر يتلقونها من مجهول؛ هذا أبو سعد ومن معه يقومون بترتيبات جديدة، وفي حمَّارة القيظ تم إعداد قافلة صغيرة وقد ألحقونا بها، وصدرت الأوامر بأن نستعد للرحيل وسارت قافلتنا الصغيرة التي تضم خمسة عشر شخصا فقط، وعدد الدواب يقارب الثلاثين، وبرفقتنا سبعة جنود؛ اثنان خلفنا، واثنان أمامنا، وسار ثلاثة أمام القافلة حتى اختفوا عن الأنظار، فاستبشرنا خيرا بالرغم من وجود أحد الأغربة السود برفقتنا، وكان يراقبنا من فوق صهوة حصانه، يتحرك كريحٍ شيطاني؛ إن نظرنا خلفنا ألفيناه أمامنا، وإن نظرنا أمامنا فإذا به خلفنا، وإن خرج أحدنا عن الطريق لقضاء حاجة، وقف فوق رأسه حتى ينتهي، وهو صامت، لا يتكلم ولا يصدر الأوامر.

أمَّا القافلة الضخمة وما تضمته من جمال غامضة الحمولة غادرت باتجاه آخر، وما زلنا نصارع طرقًا وعرة، وكلما اعتقدنا العودة لطريق ممهدة، قادنا الدليل عبر أخرى أثارت ريبتنا، ولا حاجة لخبير يخبرنا أنها لا تتجه إلى لبنان، وإنما غيرت اتجاهها عائدة إلى طولكرم ونابلس، أمَّا البيك فأخذ يقهقه ويصفق ويغني:

- شرقنا وغربنا في بلاد السلطان... وغربنا وشرقنا.

ثم يقول:

- ألا يستقر هؤلاء القوم على رأي! أم أننا في مهمة لمطاردة الشمس!

كان يحرس القافلة من الخلف مراد ابن بلدي بورصة، الذي لم يكن يملك أية معلومة ليقدمها، فعندما سألته:

- إلى أين نحن ذاهبون يا مراد؟

رد ساخرا:

- نحن ذاهبون إلى هناك وعندما نصل سنعود إلى هنا.

وأخذ يقلد البيك "شرقنا وغربنا" وتابع:

- أنا وحسن...

وأشار بيده ناحية الجندي الآخر.

- نسير خلفكم لأنهم طلبوا منا أن نحرسكم حتى تصلوا.

فسألته:

- جيد، وإلى أين سنصل؟

ضحك مراد وقال:

- (والله يا أخي لا أعرف شيئا).

وأخذ يقصُّ قصته الحزينة:

- كنا في المعسكر بنابلس، وهبط علينا ضابط كبير، وأخذ عشرة منا لنرافق قافلة صغيرة إلى جنين، ويبدو أنها هي الأخرى هبطت من السماء، وعندما وصلنا جنين، تبين أنه كان يجب أن يقودنا إلى مرج ابن عامر، وكان من المفترض أن نعود بعد أداء المهمة، ولكن حين وصلنا وجدنا أنفسنا عالقين بين مجموعة ضباط لم نرهم من قبل، ويبدو أنهم قد هبطوا من السماء أيضا، فصبرنا حتى يتم تسريحنا ونعود، واحترنا بأمرنا، فجميعهم ضباط كبار، والكل يلقي بالأوامر على الكل، ولم نعد نعرف من القائد، وإذا بنا نرافق القافلة الكبيرة، وما كنا لنعترض، واليوم جمعنا القائد رفيع العود، وطلب أن نحرس قافلتكم المباركة حتى تصل إلى وجهتها، وأن نطيع الدليل والخيال الذي يسير خلفنا، ولا تسألني؛ فربما تعرف الدواب أكثر منا، ودليل هذه القافلة حمار طاحونة؛ لأنه يدور حول نفسه ونحن نسير خلفه مثل الغنم.

فسألته:

- ماذا تحمل الجمال التي رافقتموها؟

فأجاب:

- تحمل شعيرا.

ثم همس:

- شعير ذهبي يا أخي واضحة متل الشمس.

أثناء حديثنا اقترب الجندي الآخر حسن، وهو أيضا دون العشرين مُمتَلِئ الجسم، متوسط الطول، قمحي البشرة، وسمعنا نتكلم بالتركية فسأل مراد، ويبدو أنه اعتقد أني لا أفهم العربية:

- (مين هذا أبو بريص يا مراد؟)

أجابه:

- (هذا واحد من بلدي.)

لم أرغب بأن أرد على العربي وتجاهلته إلا أنه تابع حديثه:

- (ابن بلدك عيونه عيون نمس، وابن حرام).

ضحك ولم يعترض على نباح العربي، فسألته بالتركية عما قاله رفيقه على اعتبار أني لا افهم العربية، فرد:

- يقول حسن إنك تشبه أحد أقاربه.

كظمت غيظي وابتعدت عنهما، وقافلتنا الصغيرة تواصل سيرها وكلما مرت ساعة كان يظهر الدليل من المجهول برفقته رجل مسلح، ويقترب من الجند ويصدر أوامره، وبعدها تتوقف القافلة لساعة أو أقل، ثم تواصل سيرها.

وممن رافقونا سلامة وفيله طبيلة، وكانت رفقتهم لا تسرني، ولم أكن أحبذ أن أكون بالقرب من هذا الوحش الذي لا يتوقف عن المناداة باسم "سمامه سمامه" ولم يتوقف سلامة عن إزعاج الجميع بتوسل أي شيء من الطعام ليطعم فيله، حتى أنه كان مستعدًا للدفع مقابل الطعام، أو للحصول عليه بأية وسيلة؛ فاقترب مني قائلاً:

- إذا لم يأكل طبيلة سيصاب بالجنون.

في بادئ الأمر لم أفهم لماذا كان يصر الحديث معي، ولكني اكتشفت سريعا بأن ربطة العنق قد خدعت "سمامه" هذا، واعتقد أني باشا مهم بهذه القافلة الحقيرة، سرني ذلك كثيرا، وكان بإمكاني أن أعطيه عدة قطع من البسكويت والشكولاتة، ولكنها ما كانت لتسد جوع هذا الفيل، وما كنت لأكترث لو نفق هو وفيله معا، ما دام ذلك سيحدث بعيدا عني.

بعد غروب شمس السبت بقليل، وصلنا إلى عين ماء، وطلب منا الدليل -الذي نصَّب نفسه سيدا علينا- أن نتزود بالماء ونسقي الدواب، ومنحنا نصف ساعة، ولم يرق للبيك أن يتلقى الأوامر من هذا العَفِن، ولم يشعر بالخوف من البغل المسلح الذي يسير خلفه كظله، فرفع صوته عاليًا وما كان غيره ليجرؤ ويفعلها:

- هل تتكرم علينا وتخبرنا كيف سنتزود بالماء ونحن لا نحمل معنا شيئا؟ أم يجب أن نشرب الماء ونختزنه كالإبل؟

الدليل:

- عليك تدبر أمرك.

هز البيك رأسه:

- حسنا...سأملأ مؤخرتي بالماء.

ضحكنا جميعا، وكتم الدليل غيظه، وتركنا واختفى، ثم عاد وقادنا لمسافة تزيد عن الكيلو متر، وطلب من الجميع بشرًا ودوابًا التنعم بالقليل من الراحة، ولحسن حظ الدواب كان هناك الكثير من الأعشاب لتقتاتها، أمَّا نحن فقرصنا الجوع، وهدَّنا التعب، فافترشنا الأرض والتحفنا السماء.

لم يفارقنا الحر حتى أهلك جرعات الماء التي حملناها معنا، فقررت العودة لملء المطرات، ولم أفكر بأن هناك ضوابط تقيد حركتنا، أو أن هناك ما يدور خفيةً، وبخاصة بعد أن تم فصلنا عن القافلة الرئيسة.

لم أخش سوى ملاقاتي ذئبًا أو ضبعًا، مررت بجِوار مراد وحسن، وحينما أخبرتهما أني ذاهب لجلب الماء طلبا مني السقاية بعد عودتي، أما الغراب اللعين الذي يراقب الجميع، فيبدو أنه قد نام، أو أنه لم ينتبه لمغادرتي.

أضاء القمر طريق العودة إلى النبع، وما إن قطعت نصف المسافة حتى لمحت أطياف ثلاثة من الأغربة، فاقشعر جسدي، واختبأت خلف الأشجار، فاخترق أذني ضجيج كسر صمت الليل مؤكدًا أن القافلة الرئيسة تحل عند النبع؛ أعداد ضخمة من الدواب والبشر؛ قد حطَّت الرحال هناك. أترقب في سيري، وأكاد أقترب منها، فانتابني إحساس جرَّني إلى حيث أتيت، لم أعد بالماء، ولكني عدت بخبر القافلة الغامضة؛ فهي لم تغير طريقها، بل لغاية ما تسير خلفنا، لقد أبعدونا عن الماء لنفسح لها سبل راحتها؛ فلماذا أبعدونا؟!

عدت وأخبرت البيك بما حدث فلم يشعر بالارتياح، وقرر أن نترك القافلة غدًا، فسألته إذا كنا سنتركهم، فلِمَ لم نفعل من قبل؟ فأخبرني بأنه لم يرغب بإثارة ضجة تثير العيون تجاه رشيد وحيان، وأن كل الطرق ستأخذنا إلى تركيا في النهاية.

قضينا ليلتنا بالعراء؛ بتْنا على الطُّوى والظمأ. أيقظتنا الشمس بلطف صباح الأحد، وجرَّت خلفها قافلةً محملةً بالمؤن الكافية لألف شخص أو يزيد. أخرجتني فرحتي من وقاري حتى كدت أقبَّل أحد البغال وجميع مَنْ بالقافلة مِنْ حمَّالين، وخدم، وعرب.

كان يقود قافلة المؤن رجل في الثلاثين من عمره يُدعى جمال الدين، فارع الطول، حَسَن القسمات، اعتنى بشاربه ولحيته على طريقة الباشوات، يرتدي قبعة إنكليزية، ولكنته التركية تدل على أنه تركي، كان كريما معنا؛ أعطانا عشرة جمال وأكثر من عشرين بغل محملة بألوان الطعام، وقِرَب ماء جلدية، والكثير من السجائر، لم يبخل علينا بشيء، كم أحببته حينها!

أراد سلامة أن يحصل على المزيد من الطعام لكفاية فيله؛ فاقترب من جمال وتحدث معه بتركية مشوهة، فَرَدَّ جمال بعربية سليمة، ثم دس سلامة بيد جمال نقودا، فأعطاه حمل بعير.

تركَنا ملاك الرحمة جمال الدين وقاد أكثر من مئة وخمسين من الجمال والبغال والحُمُر، وشق طريقه باتجاه القافلة الكبيرة، لم يعد هناك ما نتذمر حوله، وفروا لنا كل شيء حتى الثياب، لقد أسأنا الظن، فهؤلاء القوم حريصون على ترفيهنا، ولكنهم احتاجوا أيامًا لتنظيم هذا الترفيه، والبيك -سامحه الله- لا يتوقف عن التذمر، فعلَّق قائلا:

- لِمَ كل هذا؟ هل نحن في طريقنا للهند؟ هذا الكرم المبالغ به يثير ريبتي. يجب أن نرحل اليوم ونبتعد عنهم.

همَّ حيان بالتعليق على قولة روهان فمنعه انتباهه لاختفاء رشيد، وعندما استعادت ذاكرتي تفاصيل الأحداث تبين أنه لم يرافقنا منذ انفصالنا عن القافلة الأم، ولم يكن من المستغرب؛ فقد كان يمضي جُل وقته مع أصدقاء جدد، ويبدو أنه بقي بإرادته. ثارت شكوك حيان متوهمًا رؤية رشيد بالأمس، فأخرسه البيك قائلاً:

إن مرت نملة أمام عيني عزيز لن ينساها إلى الأبد، وسيصفها دون الخطأ في جنسها.

واخذ البيك يشير بيده وينادي على الدليل وكأنه أحد التابعين له، فاقترب منا ودار حديث شيق وممتع، وبذل كل منهما جهده للاستهزاء بالآخر...روهان:

- أريد أن اسأل حضرتكم أين نحن بالضبط؟

- لماذا تسال؟

- لأني قررت حرمان نفسي من رفقتكم الطيبة.

- رفقتكم تسعدنا ولا نرغب أن تتركونا.

- للأسف نحن مضطرين لذلك.

- للأسف لن يسمح لكم بذلك قبل الوصول إلى وجهتنا.

- ومن سيمنعنا؟

- الجيش سيمنعكم.

حسم الدليل الأمر؛ لن يُسمح لأحد بالانفصال عن القافلة قبل بلوغها وجهتها. لم يحزنني ذلك، مادام بحوزتنا طعام وشراب، فما أروع مذاق الطعام والشراب بعد مرارة الجوع والعطش!

وسامح الله البيك، لم يساعدنا الاستمتاع بهذه المغامرة الجميلة، وأصر على إزعاجنا بشكوكه وظنونه، وكان الأجدر به أن يعترف بهرمه وقصور طاقته عن مثل هذه الرحلات، بدلاً من زرع الشك والخوف في نفوسنا بتكراره:

- مريب...مريب...هذا أمر مريب. ندور وندور بلا هدف، هذه القافلة تهرب من شيء ما، ولو كانت الدولة على علم بها لما سارت تحت جنح الظلام.

داوم على ظنونه فأحاط بنا، وأخذنا نحلل ما يدور حولنا، فقبع في عقولنا أن رحلتنا لن ترسو بمكان، ولم نكن بحاجة لأكثر من يوم بأي اتجاه لنصل إلى لبنان، أو الأردن، أو الجولان، وما نحن إلا قافلة لا قيمة لها وظيفتها تمويه النظر عن القافلة الغامضة التي تسير مُخبَّئةً في ظلال سيرنا.

لم تمر ثلاث ساعات منذ أن تركنا جمال الدين الكريم حتى عاد إلينا ومعه جزء من دوابه ومرافقيه، كان واضحا أنه ترك كل ما أحضره برفقة قافلة أبي سعد، أحببت هذا الجَمال كثيرا، ورغبتُ أن أوثق علاقتي به، ولكن لم تواتنِ الفرصة. تحركت القافلة، وبعد ساعات بلغنا عين ماء لم يُسمح لنا بالتوقف عندها، وبعد ما يقارب الساعة بلغنا عينًا أخرى لنرتاح عندها جيدًا؛ فالانطلاق بعد الغروب.

لم تكن هناك أسرار لأكتشفها والثرثرة من حولي تثير الضجر، جَمال الدين هو الوحيد الذي يثير فضولي، ولكنه ذهب للنوم. "سمامه" أعد القهوة وجلس تحت شجرة وانضم إليه سالم؛ أحد ساسة الخيل، وشاب عربي اسمه احمد شيخه من عُمَّال جمال، وجوهر الحكواتي الذي ينسج حول كل شيء قصة، فجالستهم، ويبدو أن رائحة القهوة قد جذبت مراد وحسن إلينا.

جلسنا جميعا تحت الشجرة في ضيافة الحاج سمامه، وطلب منه حسن أن يحكي لنا عن طبيلة وعلاقته به، اعتدل سلامة وعدل عِقال رأسه، وكأنه شيخ كبير يتوسط أفراد قبيلته، وتنهد ثم قال:

- صلوا على النبي المختار.



© 2023 by JarretDahab