جرة ذهب الحلقة التاسعة والخمسون

#جرة_ذهب_الحلقة_59

- هل قتلت أحدا في حياتك؟ الأمر ليس بهذه البساطة يا جمال، والآن أخبرني قبل أن تقتلني إن كنت معتقدًا أنك قادرٌ على ذلك، هل أمرك شكيب بقتلي؟ وهل تعتقد أنه سيتركك على قيد الحياة أنت أو غيرك؟

زاغ بصر جمال، وبرقت عيناه رعبًا، وارتجف سلاحه في يده...والكعب كان مطمئنا وكأنه يواجه وردة تهديها له نعناعتي ممَّا أثار ريبتي، وحان وقت ذاكرتي اللعينة؛ أتذكر ملامح وجه الحذاء عند الخطر، وأتفحص وجهه الآن؛ هذا السفاح لم يكن شجاعا قط عند مواجهة الموت، ودائمًا يأخذ فريسته على حين غرة؛ فهو جبان خائن قبل أن يكون قاتلاً سفاحًا، لقد أدركت استعداده لهذه المواجهة وعزمتُ ألا أكون متفرجًا؛ وقفت بين الاثنين ظهري ناحية الكعب وجعلتُ من صدري درعًا يواجه مسدس جمال، وقلت له:

- اقتلني أنا ولا تقتل سيدي الشيخ طبرق.

ولم أكف عن الغمز بكلتا عيني وحاجبي لئلا يضغط على زناد مسدسه وكان ذكيا، أعاد المسدس خلف ظهره ولم ينبس بحرف، وضحك الشيخ وقال:

- بما أنك لا تنوي قتلي إذًا التزم بالعهد الذي بيننا وهيا لننهي عملنا وسأدلك على مَنْ يجب أن تصوب سلاحك إلى صدره.

وفاجأني المسخ بأن طوق عنقي بذراعه وقبَّل رأسي ، هذا الخنزير اعتقد أني كنت سأضحي بحياتي من أجله، وواصلنا طريقنا برفقة التوتر والقلق، وكان الكعب يسبقنا تاركا ظهره مكشوفًا لجمال، ولم يلتفت مرة واحدة وكأنه يقول له:

- إن كنت تجرؤ افعلها.

تمنيت لو أن جمال يجد الجرأة ويهوي بحجر كبير على مؤخرة رأسه ويسحقه...نحفر تحت إمرة الكعب لدفن الصندوق الكبير، وابتعد عنا قليلاً وهو موقنٌ بأني لن أخونه قط، وسألني جمال:

- لماذا منعتني من قتله؟

كنت أعتقد أنه أذكى من سؤاله الغبي، فأجبته:

- لأنك لا تستطيع أن تقتله.

فرد ببلاهة:

- ولو كان معه جميع قبائل الجن كان بإمكاني قتله.

استفزني قوله فقلت له:

- سأبول عليك أنت والجن أيها الأحمق، الشيخ طبرق جبان ولا يجرؤ على مواجهة أحدٍ إلا غدرا، ألم تلاحظ أنه لم ترمش له عين في وجه سلاحك الأبله؟ ألم تصغِ حين أخبرك بمكان إخفاء مسدسك؟ هل أمسيتَ أحمقًا في هذه الليلة المشئومة!

ورد علي الغبي الداهية صاحب الخطط الجهنمية:

- وماذا يعني هذا؟ كان بإمكاني قتله.

رميته بنظره ساخرة وقلت له:

- احفر يا جمال الدين لعله يدفنك هنا ويخلصنا منك! أنا لم أحمل سلاحا يوما ولكني عرفتُ أن مسدسك فارغ من الرصاص.

أشغلت نفسي بالحفر ولم أنظر لأستمتع بآثار صفع كلماتي على وجهه، كنت أتمنى لو أنه في البئر بدلاً من حيان، إلا أن سرعة بديهيتي أشعرتني بفخر وتفوق على جمال العسكري الذي طالما سخر مني، وها هو يحفر كالكلب الذليل ويفكر في عزيز افندي الذي أنقذه من الموت؛ لقد توهم طبرق أني خادمه المخلص، وقد عاين الليلة أمارة ذلك، اعتقد الأبله أنني لن أتأخر عن التضحية بحياتي من أجله، وجمال الذي طالما سخر مني كان يرتجف كفتاة صغيرة عندما أشهر مسدسه في وجه الكعب، انتهينا ودفنا الصندوق الكبير بلا "قاقا باقا" وبلا هراء، ولم يكن ذلك ليكون سهلا لولا قوة البغل التي يتمتع بها المسخ، وبعد مسافة حفرنا ودفنا أحد الصناديق الثلاثة، وعند دفن الصندوق الأخير خرقه الكعب بالفأس وأخرج منه بعض قطع الذهب ودسها في جيبه، وقبيل وصولنا حدود المخيم اقترب من جمال وقال له:

- ابسط كفَّك، وانظر في عيني وعاهدني ألا تخونني مرة أخرى.

بسط جمال كفَّه، وبدأ الكعب يسقط فيها قطع الذهب الواحدة تلو الأخرى وأمره أن يعد معه؛ واحد...اثنان...ثلاثة...أربعة...ولمَّا وصل إلى العاشرة أمره أن يحكم قبضته على الذهب وقال له:

- هذه عشر قطع من الذهب؛ تسعةٌ منها جئتَني بها من أحمد شيخة وشكرتُك على ذلك حينها، وها أنا أعيدها لك حتى لا تنسى العهد الذي قطعته على نفسك، أما العاشرة فهي مقابل مساعدتك لي عندما لدغتني الأفعى، والآن هل تعرف لماذا أنا على ثقة بأنك لن تخونني مرة أخرى؟

وقبل أن تتحرك شفتاه صعد خنجر الكعب وانغرس تحت ذقنه وخرج نصله من طرف أنفه ومنع انفراج شفتيه وتدفق شلال من الدماء، ولم يغلق جمال الدين عينيه في انتظار الجواب وتابع المسخ:

- لا يستطيع أحد أن يخون وهو ميت.

ظل ينظر في عينيه حتى جثا جمال وجثا معه الكعب، وسحب مسدس الغبي وبمقبضه ضربه على رأسه وطلب مني أن أمسك ذراعيه وأشدهما إلى الخلف، لم تبقَ لدى جمال قوة ليقاوم، ورحل شخيره مع الدماء التي تدفقتْ من فمه، ووضع الكعب المسدس على الأرض، وسحب خنجره الثاني وبرقة ونعومة أخذ يشق صدره، وأخرج قلبه ووضعه على كفه وكان مازال نابضًا!

أراقب وأتساءل عن شعور جمال الدين في تلك اللحظات؛ هل شعر بألم؟ هل فَقَد وعيه قبل غرغرة روحه؟ لم أحب هذا الرجل أبدا، ولا أشعر بالأسى تجاهه، ورغبة مجنونة تجتاحني لأتذوق قطعة من قلبه، لعلي أختبر ذلك الجنون الذي يشعر به الكعب كلما أكل قلب أحدهم، لم أجرؤ أن أطلب ذلك ولم يدعوني الكعب لتذوقه، ولو فعل ما كنت لأعارض...أمرني بالحفر وساعدني، ثم سحبنا القتيل إلى الحفرة، والتقط المسدس من فوق الأرض، وانتصب يحمله على كفه، وما تبقى من قلبه على كفه الثانية، وألقى المسدس وما تبقى من قلبه فوق جثته وقال:

- هذا السلاح يصيبني بالغثيان؛ لا يجوز قتل رجل من بعيد.

وأسعدني أنه لم يطلب أن أطهو له القلب أو الكبد؛ فأنا مرهق وأشعر بالنعاس ولا طاقة لدي لإشعال النار وإعداد الطعام؛ انتهينا وعدنا أدراجنا، وفي الطريق سألته:

- ماذا أخبر شكيب إن سألني عنهما؟

- أخبره أنهما سخرا من الجان فقتلتهما وأكلت قلبيهما، ولا تخبره تفاصيل أخرى.

رافقني حتى حدود المخيم وتركني وذهب ليتحدث إلى الأغربة المسلحين الذين يحرسون مدخل المخيم، أسير وحيدًا وأضحك كمجنون؛ الجزء الأكبر من مخطط جمال الدين قد أُنجز بنجاح؛ مات هو وحيان، والجزء الذي لم يُنجز بعد هو أني سأحصل على الذهب لاحقا ولا حاجة لأتقاسمه مع أحد.

ذهبت للنوم ولم أشغل عقلي بالتفكير إن كان المسدس فارغًا من الرصاص أم محشوًّا، وكيف استطاع جمال إقناع حيان بمرافقته؟ وهل مازال حيًا أم تسبب سقوطه في دق عنقه؟ لم أجد داعيًا لأفكر في شيء وقتها سوى ذهبي وقصوري المستقبلية، فأنا القصير الهزيل لن أغير شيئا في عالم فارعي الطول الشجعان.

أفقت من نومي سعيدا واندهشت لهذه المشاعر التي افتقدتها منذ زمن، وتساءلت لماذا لا أشعر بالحزن على حيان؟ وكيف فكرت للحظة في تذوق قلب جمال الدين؟ هل هي بداية التحول إلى مسخ؟! غرست ظفري بيدي لأختبر شعوري بالألم، وذهبت بخيالي باحثا عن حزن ودموع لأختبر إنسانيتي، ماذا فعلتِ بي أيتها القافلة الملعونة! وهل ثمانية وستون يومًا قضيتها برفقتك قادرة على مسح ثلاثة وعشرين عاما، وخلق إنسان آخر!

لمتُ نفسي كثيرا على المبالغة في تحمل مسؤولية مصير الآخرين، فما ذنبي فيما يحدث؟ أنا أضعفهم جميعًا، ماذا يمكن أن أفعل إن عجز حيان عن الدفاع عن نفسه، ولم تنفعه عضلاته المفتولة ولا طوله أمام مكر الكعب ودهائه! لم يأخذ برأيي، ولم يطلعني على خطته، ولم يلتفت إلى تحذيري، أنا لا أكرهه، ولكن من العدل قولي: إنَّ المسخ قتلهما دفاعا عن نفسه، ولو لم يفعل لقتلاه...وهل حزني عليه سيزحزح الصخرة ويدخل الهواء البئر حتى لا يموت اختناقا! ليرحمه الله! وسأضمه لقائمة الموتى الذين سأنفق بعضَ الذَّهب صدقةً لأرواحهم تنفعهم يوم لا ينفع كلُّ ذهب الأرض، وهكذا حسمت جدل نفسي، وشعرت بالراحة في هذا الصباح الخالي من جمال الدين وحيان، وعزمتُ ألأ أشغل فكري إلا بنعناعتي ولكن شكيب عزم على غير ذلك.

لم يطقْ الصبر حتى أذهب إليه، وأرسل الرومي في طلبي، ولعله بحث عن جمال فلم يجد له أثرًا! سألني عن أخبار الأمس، وكانت فرصة لإماطة اللثام عن سر تقاعس جمال عن مساعدة حيان، وبدأتُ روايتي عن دفن الذهب كالمعتاد، وأعلم أنه لم يسعَ لسماعها، ماطلتُه مُستغلاً مواهبي السانتورية فغاب صبره، وكان مباشرا في سؤاله عن حيان والشيخ، ولم يسأل عن جمال الدين، فأدركت أنه قد خطط مع جمال لقتل حيان أيضًا، وتابع سانتور الأبله حديثه: وبعدما قُتل حيان ودفناه ودفنا الذهب، وفي طريق العودة، وقبل اقترابنا من المخيم قتل الثاني، فبرقت عيناه وقال في لهفة:

- وأين دُفن الشيخ طبرق؟

فقلت له:

- لقد تركته على حدود المخيم فجر اليوم ولا أعلم إن عاد لينام في خيمته أم لم يعد.

كشَّر عن أنيابه وأمسك بقميصي وضيَّق عليَّ الخناق، وصرخ:

توقف عن بلاهتك وفسر ما تقوله؛ من مات ومن عاش؟

لم أزد في روايتي على الطريقة السانتورية سوى أن الكعب أكل قلبيهما لأنهما سخرا من الجان، وحين اشمأز بالغت وأسهبت في وصف شراهته وحرصه على التهام القلبين أثناء نبضهما، كان يكفيني غباؤه -ولم أكن بحاجة لذكاء- لأفهم أنه خطط لقتل الكعب وحيان في ليلة واحدة، هذا السفاح يحب القتل جملةً واحدةً، ولا وقت ليهدره، توتر ورأيت القلق في عينيه، ثم تظاهر بالهدوء وزيَّف ابتسامته واعتذر لي وقال:

- سأعتمد عليك أن تقطع لسانك يا عزيز وتخبر مَنْ يسألك عن حيان أنه قد هرب وإياك أن تخبر أحدًا أنه قُتل.

هذا الجبان لم يشغله قتل جمال الدين، وإنما بدا عليه الخوف من قتل حيان، ولأني أعي السبب جيدًا قلت سرًا:

- سأخبر فاطمة فقط لتسمم طعامك أيها النذل.

مسكين هذا الحيان لقد قتله غروره وثقته الزائدة بنفسه، انساق خلف جمال الدين ولو نجا من الكعب ما كان لينجو من شريكه، في النهاية لكل أجلٍ كتاب، ومَنْ أنا لأقرر مَنْ يموت ومَنْ يحيا!

اعتقدت أن هذا اليوم سيمر كبقية الأيام، لقد اعتادت القافلة على فقد أهلها، ولن يستوقف أحدًا غيابُ أحد قبل مرور اليوم أو نصف اليوم، ولكن هذا لا ينبغي مع حيان الرجل، لم تنهِ الشمس انتشارها حتى بدأت نساء المخيم البحث عنه، وغاظني هذا كثيرا، ماذا يفعل هذا الوغد للنساء! إنه لا يملك ما يقدمه مقارنة بي، أنا سيد المؤن وأوفر ما يحتاجه الجميع، هو مجرد عالة يقضي معظم وقته في النوم والتسكع، ومع هذا يحبه الجميع وبخاصة النساء منهم، نعناعتي لعنة الله عليها لم تراعِ مشاعري وجاءت تسألني عن آخر عهدي به، ولم أرغب أن أخوض معها جدلا واختصرت جوابي:

- لم أره اليوم.

تركتني لتتسلمني رباب وتسألني فاختصرت جوابي أيضًا:

- لم أره اليوم.

فسألت:

- وبالأمس هل رأيته؟

أجبتها:

- نعم كان في خيمته كعادته.

تركتني وذهبت، وكنت آمل أن تأتي فاطمة لتسألني أيضًا لأصرخ بأعلى صوتي وأقول: "أبعدوا عني هذه المجنونة" ولكن هذا لم يحدث، ولن يحدث، فمن مثلها لا تخرج من خيمتها إلا ما ندر، ومن بعيد أشار إليَّ الكعب فأسرعت الخطى وحين اقتربت منه استقبلني بابتسامة وقال:

- تعال يا صديقي لنجلس تحت شجرة السرو تلك.

لم أخفِ استغرابي؛ الكعب يبتسم لي وينعتني بصديقه، هل لدغته أفعى وبلغ السُّم دماغه؟! أم أنه حقًا على قناعة بأنِّي جعلتُ من صدري درعًا يقيه الرصاص؟! جلستُ على حَجَر وتربَّع على الأرض، وسألني عن شكيب وعمَّا دار بيننا من حديث، وكنت صادقًا في روايتي، وحرصت على إخباره بوصية شكيب؛ وهي أن أخبر الجميع بأن حيان قد هرب، فضحك وقال:

- أزرق العينين هذا يرتعد خوفًا من العاهرة الغجرية، ويتوجب عليه أن يرتعد مني أنا.

وتابع:

- هل أخبرته كيف أكلت قلب جمال الدين؟

- أخبرته بأنك أكلت قلب الاثنين.

- لنر إن كان ذلك كافيا ليعيده إلى الصراط المستقيم، وأخبر الجميع كما طلب منك لا داعي لنفسد خططه الآن.

وطلب أن أعدَّ له الطعام فسألتُه ساخرًا:

- هل ترغب في الزيتون والجبن مع قطعة حلاوة، أم ترغب أن نذبح لك أحدا ونشوي لك قلبه كما تشتهي؟

- لا رغبة لدي في كبد الجِمال، اشو لي القليل من اللحم ولا تجعله يحترق كما فعلت في المرة السابقة.

دلَّ كلامُه على أنَّه لمْ يدرك ما رمزتُ إليه، فأخبرته بألا يتوفر لحم لأشويه، فقال بعدما ضرب على صدره كقرد يعلن قوته:

- اذبح يا عزيز ولا تكترث بأحد وإن سألوك قل لهم "الشيخ طبرق أمرني بذلك".

هذا الحمار لا يدرك أنه ما عاد في القافلة مَنْ يسأل أو يذبح، وتلك هي المشكلة التي أواجهها الآن، لقد ذُبِح كلُّ ذابح، ولم يعد موجودًا مَنْ يقدر على ذبح دجاجة ليذبح جملاً، وشعرت بالعار والخجل في إخباري هذا المسخ بأني أعجز عن ذبح خروف لأجرؤ على ذبح جمل.

تركني في حيرة وانصرف وما كان أمامي إلا أن أستنجد بالسفاح الثاني لعله يشفق على حالي ويساعدني في الذبح، فذهبت إليه سانتورًا وبدون مقدمات أو تمهيد قلت:

- أعطني مسدسك يا سيدي وسأعيده إليك بعد قتله.

ضحك وسألني:

- ومن ستقتل يا عزيز باشا؟

- الجمل يا سيدي، الشيخ طبرق جائع وإن لم أطعمه قد يفكر في أكلي أنا.

وفي هدوء سحب شكيب مسدسه ودفعه إليَّ ولم يكن أمامي خيار إلا أن آخذه، وبدأت أقلِّبه وأتفحصه وأنظر إلى فوهته، وما كنت بحاجة لأتظاهر بأني أجهل كيفية استخدامه، فهي المرة الثانية التي ألامس فيها سلاحًا في حياتي، وبعدما راقبني سألني:

- هل تجيد استخدام السلاح يا عزيز؟

فهمستُ بسانتورية:

- لا يا سيدي ولكن أرجوك لا تخبر أحدًا.

- لا تخفْ، سرك معي في مأمن.

نادى على الرومي وطلب منه أن يذهب ويذبح أحدَ الجمال ويساعدني في إعداد الطعام، ولم يخف عليَّ أنهما يسخران مني بعدما كرر شكيب للرومي مكانتي الباشوية للمرة العاشرة، ولكني أحببت ذلك كثيرًا...ذبحنا وشوينا وأطعمت الكعب ولم أنس صديقي سالمًا، وتناولت الطعام برفقة صديقي العظيم شكيب في خيمة الذهب، ولحم الجمل جلب له النعاس فتركته وعدت لأبحث عمَّا يشغل وقتي.

الشمس تنسحب في هدوء ليطل ما تبقى من القمر ويراقب مخيمنا، وأطلتْ رباب قادمة نحوي، كانت تسير بخطى بطيئة، ولكن الطريقة التي تدفع بها ساقيها وتحرك ذراعيها لا تدل على أنها جاءت لاحتساء القهوة معي وهيأت نفسي لملاقاة الهدوء المصطنع الذي يرافق خطواتها ويسبق العاصفة التي أطلت من عينيها، وعزمت على صفعها إن تمادتْ لتعرف بأن عزيز اليوم لا يشبه ذاك الذي صفعته وخلخلت أحد أسنانه من قبل...وقفت أمامي كمعلم يتفاخر بسلطته وقوته على أحد تلامذته الضعفاء وقالت:

- عزيز للمرة الثانية سأسالك أين حيان؟ وإياك أن تكذب عليَّ، حذارِ أن تكذب يا عزيز.

أجبتها بتقزز:

- لقد أخبرتك بأني لم أره.

- لقد رأوه يرافقك أنت وجمال الدين بالأمس.

- هذه أسرار لا ينبغي الحديث عنها أمام أحد وبخاصة النساء.

صكت أسنانها وأعادت السؤال:

- أين حيان؟

ومن أجل أن أدفعها لتكون أكثر عنفًا في صك أسنانها عسى أن تنكسر وتفسد ابتسامتها الساحرة قلت:

- في المرة القادمة سأسأله قبل أن يختفي: أين ستكون يا حيان لأقدم تقريرًا لرباب؟

اشتد الغضب بالحقيرة وأخرجت من جيبها ذلك السكين الفضي الذي شقت به لحم جودت وقالت:

- أقسم بالله لأخصينك إن لم تخبرني بالحقيقة.

المصريةُ اعتقدتْ أنِّى سأرتعدُ أمامَ سكينها الصغير وأنا لم يرمشْ لي جفن حينما ساعدت خنجر الكعب في قطع الرؤوس وشقِّ الصدور، لقد طهوتُ قلوبَ البشرِ وأكبادَهم، ولكنِّي آثرتُ الحكمةَ على الفتوةِ، وعزمتُ ألا أختبر قوةَ سكينٍ فضي أنثوي تحمله امرأة حزينة غاضبة وقد يصيب رجولتي أبد الدهر، فاختصرتُ وأخبرتُها:

- لقد هرب.

- وكيف هرب والسلسلة في قدمه؟

- لقد فكها وغافل الشيخ طبرق وهرب.

ملامح وجهها تخبرني أنها لا تصدق، ولكنها أرختْ قبضتها عن السكين فاطمأن قلبي قليلا، وقالت بعدما زمَّت شفتيها:

- ما كان ليهرب ويتركك خلفه يا عزيز.

وبعفوية قلت:

- لو كنت من أقاربه العرب لاهتم لأمري، لا يحبني أحد في هذه القافلة إلا طبيلة رحمة الله عليه.

بصوتٍ شجي كاد يصيب قلبي:

- حيان ما كان ليحنث بوعد قطعه على نفسه.

- إن وعدكِ ألا يترككِ فاعلمي أنه حنث بوعده وهرب يا رباب.

- لو كان يسعى للهرب لفعلها منذ زمن طويل؛ قبل عبورنا النهر.

- سلسلة فاطمة منعته من الهرب.

مدت كفها في وجهي وفتحته فإذا به قطعة من الحديد مسننةً أطرافها، وقالت:

- انظر جيدا؛ ما كان حيان بحاجة لمِفتاح فاطمة، لقد صنع لنفسه مِفتاحًا، وجدتُه اليومَ حيث اعتاد على إخفائه، ولو كانت لديه نية للهرب لأخذ مفتاحه معه.

وترقرقت عينيها بالدموع وقالت:

- أنت قذر ولا تستحق شيئا، لقد رجوته ألف مرة أن يهرب ورفض لأنه قطع وعدًا لروهان بيك أن يعيدك سالما إلى تركيا ولو دفع حياته ثمنًا لذلك.

أصابت كلماتُها قلبي، وعندما تلفظت باسم روهان كادت الدموع تفرُّ من عيني، ولمَّا لاحظتني شرعت تبكي وتقول:

- لقد قتلوه أليس كذلك؟

لم أدرِ ما أقول، وكان صمتي كافيا ليزيد بكاءَها وقالت:

- ولماذا لم تساعده وهو صديقك؟

- وماذا يمكنني أن أفعل!

كان جوابي متسرعا وأكد شكوكها، فسألت:

- أين دفنتموه يا عزيز، أين؟

أجبتها غاضبًا:

- لا أذكر، لا أذكر.

- لماذا تكرهه إلى هذا الحد؟! أعتدتَ أن تقابل الحب بالكراهية يا عزيز؟! هل تعلم أنه لم يكن يغمض له جفن حتى يطمئن على عودتك سالما في كل ليلة كنت ترافق فيها طبرق؟ هل تعلم أنه هدَّد جمال الدين إن لحق بك أذى ليقتلنه؟ أكلُّ هذا لأنك تغار على نيروز؟ أيها الأحمق لقد رأى حيان فيها أخته الصغيرة، لقد كان يشفق عليها فقط! أرجوك إن بقيت بداخلك ذرة خير واحدة أن تخبرني عن مكان دفنه لا أريد منك أكثر من هذا، أرجوك.

كلماتها كانت قاسية؛ أربكت سانتورًا وعزيزًا، وكلَّ باشا وأفندي سكن أعماقي، أفقدتني صوابي وأثارت جنوني، وأعادت إليَّ ذلك السؤال اللعين: "هل تسببتُ فيما حدث له؟!" ولم أجد إلا الصراخ في وجهها ووجه عواطف مكبوتة ستنفجر وتحولني أشلاء:

- لا أعرف، لا أذكر، لم أسمع، لم أر شيئًا، لا يوجد شيء أخبرك به، لا أستطيع أن أفعل شيئًا، أنا سانتور هزيل الجسم قصير القامة ماذا تريدون مني، هل يجب أن أموت لترضوا عني وتحبونني، لا أريد حبكم، أنا أكرهكم جميعا ارحموني واتركوني فقط!

وانفجر مني ينبوعٌ من الضَّعف والدموع، أبكي كالأطفال، عدتُ عزيزًا قبل انقضاء ثمانٍ وستين يوما، وأقسم أني حينها ما كنت بحاجة لشيء أكثر من أن تحضنني وتدعني أبكي فقط، بكيت كطفل تاه عن أمه في زحمة الحياة ووجدها بعدما أشرف على الضياع...أمسكت بيدي امرأةٌ حنَّانةٌ وقالت:

- لا أحد يكرهك، وجميعنا نهتم لأمرك وعندما بلغنا ما فعله بك يعقوب حزن الجميع وغضب من أجلك، وسهرتُ طوال الليل حتى أعددتُ لك مرهمًا ليشفي جروحك ويخفف من آلامك، وطلبت من أبي إيليا ألا يخبرك عني، فليس من الضرورة أن يصرح لك مَنْ يحبونك بمشاعرهم طالما أنه حب صادق خالٍ من المصلحة، وعليك أنت أن تشعر بهذا الحب يا عزيز.

كلماتها الرقيقة دفعتني لأقع في شباكها وبدأت أستريح من أعبائي، وأروي لها كيف خدعه الملعون، وألقاه في البئر وأغلق منافذ الهواء ليموت اختناقا. وما إن سمعتْ أنه في البئر وكيف أغلقنا عنه منافذ الهواء حتى تبدل حنانها قسوةً، وهجمت عليَّ، وشدَّت على عنقي، وانهالت بالشتائم:

- أيها الحقير النذل لو أخبرتني صباح اليوم حين سألتك لكانت الفرصة أكبر لإنقاذه.

المصرية تحولت في لحظات من ملاك إلى وحش وأنا لمت نفسي على تهوري، وقالت:

- يجب أن ننقذه.

- فات الأوان على ذلك، وإن نجا من خنجر الكعب والسقوط في قعر البئر فلن ينجو من انعدام الهواء.

- لعل الله كتب له النجاة! هيا أسرع معي إلى فاطمة وأخبرها بما حدث، وستجد هي طريقةً لإنقاذه.

فأجبتها على الفور:

- لن أذهب إلى الموت، إن لم تقتلني فاطمة سيقتلني طبرق أو شكيب، لا علاقة لي بكل هذا.

<<<<<<<<<<نهاية الحلقة 59 >>>>>>>>



© 2023 by JarretDahab