جرة ذهب - الحلقة الواحدة والخمسون

تاريخ التحديث: 7 يوليو 2018


#جرة_ذهب_الحلقة_51

ومع غروب شمس العيد انطلقت فاطمة وجماعتها وأخذت معها أبا إيليا، أمَّا جودت فقد استعد للانطلاق برفقة الكعب وكاظم فقط واصطحباني معهم ولم يكن هناك نية لدفن الذهب، وقبل خروجنا من المخيم رماني بنظرة فيها الكثير من الحب وقال:

- عد يا عزيز واستمتع بما تبقى من العيد ونم مبكرا.

عدتُ إلى النار وشعرتُ بأجواء عيد حقيقية ذكرتني بأيام طفولتي في بورصة عندما كنا نشعل نارًا ونجتمع حولها إلى بزوغ الشمس حتى لا تهرب منَّا لحظة واحدة من العيد، أعادنا العيد إلى إنسانيتنا وانشغلنا بعيدًا عن التفكير في طمع الدنيا ودوَّامة الذهب.

انتهى عيدنا، وعدت بالقيام بمهامي المعتادة وقبل الظهيرة جاءني أحد خدم فاطمة الذي اعتاد أن يلعب مع أحمد شيخة وأخبرني بأن جودت يريدنى سريعًا، ولمَّا دخلت خيمته كان برفقته شكيب ورجل آخر لم أره من قبل، وطلب أن أعد لهم الطعام وقبل أن أسأله عن نوع الطعام الذي يريده قال:

- اذبح الخروف الذي أخفيته عن الشيخ طبرق حتى لا يأكله.

ضحك الثلاثة، وخرجت وطلبت من سالم أن يأتيني بالخروف الذي أخفيناه قبل أيام، ولم يكن ذبحه بالأمر الصعب مقارنة بالبعير؛ تعاونا سويًا على ذبحه بعدما قيدناه بعدة حبال وغطينا رأسه بالخيش حتى لا نعذبه برؤية السكين، ولكن سالم -بغبائه- ذبحه ألف مرة، حرصنا على السرية، ويبدو أن رائحة الدماء جذبت إلينا جمال الدين وأحمد، ودعوت الله ألا يشتم الكعب رائحة الدم ولم يُستجب لدعائي، فسرعان ما وصل قبل أن نبدأ في تقطيعه، وسأل:

- من أين جاء هذا الخروف؟

فرد عليه سالم:

- من السما.

لم ينتبه لرد سالم وقال آمرًا:

خذ كبد الخروف لنيروز بعد أن تنتهي من تقطيعه.

فأجبته:

- لقد طلبه جودت.

هز رأسه وقال:

- إذًا خذ منه شيئا لها.

ابتعد وسألني جمال عن الضيوف ولم يكن هناك شيئا لأخبره وأنقذت ما يمكن إنقاذه من الكبد بعيدًا عن يدي جمال وأحمد شيخة، وبالرغم من شكي في أن نيروز تخونني والكعب مع حيان إلا أني أعددتُ لها طبقا فاخرا لم ينقصه إلا أن أقوم بتزيينه ببعض حبات الزيتون وذهبت لجلبها من المؤن، وعدت سريعا لأجد جمال الدين قد حمله وذهب به إلى خيمة المسخ.

كدت أموت غيظًا ولم يكن هناك ما أفعله سوى مضغ القهر الذي شعرت بطعمه في فمي، ومراقبه جمال الدين الذي دخل الخيمة ولم يخرج، قدمت الطعام لشكيب ولضيفهم متوسط القامة، أسمر البشرة ملتحٍ، فيه الكثير من ملامح الأكراد وكان اسمه عديد وما ميزه أنه لا يتوقف عن الابتسام، ويرتدي ملابس مثل العامة، وبتواضع شديد وقف وساعدني في حمل الطعام لأفسح مكانا على الطاولة، وبعد ذلك قال لي بنبرة صوت دافئة تبعث على الراحة:

- (شكرا يا خوي).

ربما قالها بالعربية لظنه أني عربي، أمرني جودت بالجلوس خارج الخيمة، وأرخيت أذني، وكان حديثهم حول العديد من المقربين إلي جمال باشا، والعديد من نوادره في بغداد، وكان ضيفهم خفيف الظل، ومن النكات التي ضحكوا عليها كثيرا، قال عديد:

- ( سألني الباشا هل تعتقد يا عديد أني أستطيع إقناع العراقيين بأني عربي؟ فقلت له هذا سهل يا باشا ولكن هل ستستطيع بعدها إقناع السلطان أنك تركي!)

وتابع عديد:

- (سألني الباشا هل سيحبني أهل العراق بعد أن أقنعهم بأني عربي؟ فقلت له سيقنعونك أنهم أتراكا ليكرهوك.)

وتابع عديد:

- (بعد أن ترك الباشا العراق بعام سألني مازحا: هل حزن العراقيون على فراقي، فقلت له: لقد دعوا الله أن يشبهك مَنْ سيأتي بعدك ويغادر بسرعة قبل أن يسقط الثلج مرة أخرى على بغداد.)

لم يتوقف عديد عن إلقاء النكات حول الباشا حتى أني ضحكت على بعضها، وهنا سأل جودت:

- أخبرني يا عديد هل اقتنعوا فعلا أنك عراقي؟

فأجابه عديد:

- ولكني عراقي.

ضحك جودت وقال:

- اعتقدت أنك تركي.

فرد عليه عديد:

- وأنا أيضا كنت أعتقد ذلك حتى أقنعني الباشا بأني عراقي.

ضحكا معا وانتقلا للحديث حول القافلة والمُخطط القادم وضرورة الإسراع بتنفيذه؛ لأن بقية القوافل قد أنهت مهمتها وعادت، ويعني حديثهم -وقد أكون مخطئا- أن هناك عدة قوافل غيرنا خبَّأتْ بعض الأسرار.

نادى عليَّ جودت وكانا قد انتهيا من تناول الطعام وتركا خلفهما الكثير، وهذا يعني أن طبيلة وسالم سينعمان بالكثير من لحم الخروف، فقد ملَّ المسكينين لحم الإبل، طلب مني جودتْ أن آخذ ما تبقَّى من طعام للرجال ، وتقدم عديد في تواضع شديد وحمل معي وقال:

- (يلا انا بساعدك اخوي).

وخرج أمامي وسار في اتجاه معاكس لسيري وحاولت أن أعيده إلى الطريق التي توصلني إلى خيم المؤن، وسرعان ما تبين أنه يعرف طريقه وأن قصده غير ما قصدت، تفاجئت من وجود قافلة جديدة تضم أكثر من ثلاثين جملاً والكثير من البغال والحمير وبرفقتها خمسة أشخاص لا أعرف زمن وصولهم؛ فاتساع رقعة المخيم لا تسمح بمعرفة كل ما يدور عند أطرافه، قدمنا الطعام للغرباء وبالرغم أن عديد قد تناول طعامه مع الباشوات إلا أنه تربع بجوارهم وشاركهم، لم يأكل لقيمات وعاد ليحدثني بالعربية وقال:

- (أخوي عزيز لو تكرمت علينا بإعداد القليل من القهوة للشباب أو احضر لي القليل من البن وانا ساعدها لهم وان كان بالإمكان أن تأتي لهم بالسجائر).

احترام عديد يدفع الصخر ليحبه ويحترمه ولكني لست أحمقا لأهدر السجائر على هؤلاء الغرباء وهي سلاحي الوحيد الذي لن أسمح لأحد أن يجردني منه، عدنا معا إلى خيمة الباشوات وأخبرت جودت بنقص السجائر وأعطاني أكثر من ثلاثين علبة كان يحتفظ بها في أحد صناديقه المغلقة، هذا الأحمق حرص على المؤن أكثر من حرصه على الذهب!

خرجت وطلبت من أحمد إعداد القهوة واقتربت من طبيلة الذي كان يغط في نوم عميق وصوت شخيره ملأ المخيم، ركلته بقدمي عدة مرات حتى أفاق وأشرت له أن يتبعني، حمَّلته وعاء القهوة وتوجهت إلى القافلة الجديدة وحينما وصلت أمرت طبيلة أن يضع الحَلَّة على الأرض وأشرت لأحدهم أن يأخذها ويوزع على البقية وكان قصدي أن يفهموا بأني سيد ولست خادمًا لأحد، ووقوف العملاق إلى جانبي ببدلته العسكرية الجديدة زاد من هيبتي؛ فهم لم يروا في حياتهم جنديًا بهذا الحجم.

دبَّ الرعب في قلوبهم وأحنوا رؤوسهم احتراما لي ولحارسي، ويبدو أن هؤلاء الغرباء قد تركوا خلفهم الكثير من الأرز واللحم، وكان لابد من استعراض قدرات حارسي الشخصي الخارقة على ابتلاع الطعام لعلهم يفهموا أن إشارة مني ستدفعه ليلتهمهم أيضًا، وما كان العملاق بحاجة لإشارة مني ليهجم على بقايا الطعام، وأسعدني ذلك؛ فلن أنشغل اليوم في التفكير بتوفير طعامه، وانشغلت بتفحص وجوهم وحمولة القافلة المغطاة التي مازالت فوق الدواب، وهذا يدل على أنها لن تتوقف طويلاً.

أنبأتني ملامحهم أن أحدهم كردي، وآخر عربي، أمَّا البقية فهم أقرب إلى (البلطيق)، ووجوههم جميعًا كانت تدل على وفاق، شرب الغرباء قهوتهم ودعوت أن تكون سمًّا في بطونهم، ولم يتبق أمام طبيلة ما يلتهمه سوى صدور التُّوتِياءُ، دعوتُ له بالصحة والعافية ومزيدا من الضخامة، وفاجئني الغرباء بأن بدؤوا نصب خيمة، ولم تمر دقائق حتى اقترب الملط وسألهم:

- ماذا تفعلون هنا؟

ونعومة صوته وطريقة سيره المتخنثة جعلتهم يسخرون منه، استفزه ذلك وأخذ يرقص بكتفيه ويعزف على الهواء بأصابعه ناظرًا إليَّ فقلت:

- إنهم ينصبون خيامهم.

وقال:

- من هم ومن سمح لهم بنصب خيامهم بجوارنا؟

كان بإمكاني أن أخبره بأن جودت وشكيب على علم بالأمر ولكني فضلت الاستمتاع بشجار، فأوحيتُ له بعيني ويدي أنى أجهل ما يحدث، فقال لي:

- قل لهم أن يذهبوا من هنا وإلاااااااا؟

لم يكن هناك حاجة لأترجم إلى العربية ما قاله بالتركية، فأحدهم يفهمها وضحكوا من جديد وسألوه:

- (والا ماذاااااااا يا عسل؟)

غضب الملط وقال:

- سترون وإلا ماذااا.

وعاد من حيث أتى يسير على أطراف أصابعه حتى لا يغبر حذاءه الناعم، وتوقعت أن يعود برفقة الزنجي ليوسعهم ضربا ويكون الجواب على "وإلا ماذا"، ولكنه عاد برفقة فاطمة، ونظراتها الملتهبة سبقتها إليهم، شتمتهم ولوَّحت بيديها لينتقلوا إلى مكان آخر، تجاهلوها وانشغلوا بتفحص جسدها، وأخذت تضرب الأرض بقدميها في طريقها إلى خيمة جودت، وخلفها يسير الملط على رؤوس أصابعه، وأنا أتبعه وطبيلة من خلفي، كان مشهدا عفْويًّا مضحكا، ولجتْ داخل الخيمة ونحن من خلفها، وطبيلة حجب النور ووقف شكيب لاستقبالها وتجاهلته، وأخذت تلقي أوامرها على الجميع، وهزَّ شكيب رأسه ووعدها بأنه سيبعدهم وامتعض جودت وصمت، وابتسم عديد وبادلته الابتسامة وعادت من حيث أتت، ولاحظ جودت الابتسامات المتبادلة بين فاطمة وعديد، وسأله:

- هل تعرفها؟

ونطق عديد بالعربية ساخرا :

- (حصة مين هاي الفرس)

ضحك شكيب وقال:

- (غض بصرك هاي حصة الكبير.)

هز عديد رأسه وقال:

- أكيد أكيد ومن يستطيع ترويض مثل هذه الفرس الجموح غير الباشا!

ضحك الجميع وانتبه جودت لوجودي أنا وطبيلة في وسطهم فصرخ بي:

- ماذا تفعل أنت وهذا هنا؟

وأشار إلى طبيلة:

- هيا اذهب واصحب الشباب لينصبوا خيامهم بعيدا عن فاطمة.

وقبل خروجي رافقني عديد ليوصيهم بذلك، وفي الطريق أخذ يتفحص طبيلة ويسأل:

- لمن هذا العملاق وكيف تطعمونه؟

فأجبته إنه لي، وأذبح له كل يوم بعيرًا ليشبع فقال:

- ما شاء الله ما شاء الله.

وصلنا وطلب ممن يرافق القافلة أن يحملوا ما تم إنزاله ويتبعوه، وأمسك جملاً وقاده لتتبعه بقيه الجِمال وسرت أمامه وتبعني واستقبلتنا عيون الجميع بفضول، ولمَّا اقتربنا من الرقعة التي يجب أن يخيموا فيها طلب الكعب أن نبحث عن مكان آخر ليبتعدوا عن خيمته وفعلنا، وسألني عديد ساخرا:

- ومن هذا السعدان؟

أجبته:

- هذا ملك ملوك الجان طبرق.

هزَّ رأسه وقال:

- (الله يحفظنا فيل وملك جان، شو في عندكم كمان يا عزيز؟)

اللهجة التي تحدث بها كانت مزيجا من عدة لهجات عربية، وكان يتجاهلني إن حدثته بالتركية متظاهرا بأنه لا يتحدثها بالرغم من أنه لم يتحدث غيرها مع شكيب وجودت.

لم ينصبوا إلا خيمة واحدة كبيرة، وكان عديد يساعدهم في كل شيء ولا يأنف من ذلك، وكان مُهذبًا للغاية، لم يطلب مني أو من أحدهم شيئا إلا وسبقه بكلمات "أخوي"، "لو سمحت"، "شكرا لك".

أشعل النار بنفسه وأعدَّ الشاي ووزعه على الجميع وكأنه خادمهم، ولم ينساني وطبيلة، وشكر طبيلة على مساعدته في إنزال الحمولة فلم يرد عليه ورددتُ بدلاً منه وابتسم...ما تحمله قافلتهم من أسرار مُختفية لم تثر فضولي بقدر هذا الرجل المتواضع الذي ينادي عليه رفاقه باسم الحج نعيم، وجودت وشكيب يخاطبانه باسم عديد، ونظرات فاطمة وابتسامتها دلَّت على أنه يعرفها، والذي لم ينتبه له جودت أنه حينما سأله : هل تعرفها؟ تهرب من السؤال بسؤال ولم يجب.

أمضيت معهم عدة ساعات زودتهم بكمية كبيرة من المؤن كما طلب مني، وفي طريق عودتي اعترضني الكعب واتبع طرقًا ملتوية ليسألني عنهم دون أن يكشف جهله بما يدور حوله فضحكت سرًا وودت لو استطعت أن أصفعه وأقول له:

- أنت يا طبرق عار على الـ"قاقا باقا" والكل يستخف بأمرك لهذا لا يستشيرك أحد فيما يحدث.

لم يكن هناك ما أخبره به فأنا لا أعرف من هم ولكني أخبرته بأن جودت أوصاني بتوفير كل ما يحتاجونه فتظاهر بأنه لا يهتم وسألني:

- أين نيروز هل رأيتها؟

عليه اللعنة! تجاوزت الساعة التاسعة مساء ونامت العصافير ويسألني إن كنت رأيتها! وأنا كنت معتمدا عليه ليراقبها، لا أشك في أنها برفقة حيان إن لم تكن نائمة في أحضانه، ولأني رغبتُ في أن أثير داخله القليل من الغيرة قلت له:

- ربما هي برفقه جمال الدين.

ورده على ما قلت كان هزيلا فاترا يخلو من حرارة الرجال؛ قال:

- جمال الدين كان برفقتي وهي ليست معه.

امتعضت من سؤاله وجوابه وقلت سرًا:

- لقد سرقوا نيروز من تحت شاربك.

ثم انتبهت ألا شارب له، وقلتُ:

- لابد أنها تجول بين الخيام.

وانطلقنا للبحث عن أنثانا ولم يطل الأمر حتى أطلت قادمة فأخذها الكعب وعاد بها إلى عش الغرام، وقررت أن أضع النقاط على الحروف مهما كلفني الأمر، وهذه المرة لن أسمح لحيان أن يتمادى ويتعدى على ما يخصني فذهبت إليه واقتحمت خيمته ولاحظ أني مستاء وسأل عن سر تبرمي فأجبته:

- أريد منك أن تبتعد عن نيروز.

ابتسم وقال:

- وبمَ يزعجك هذا؟

فأجبته:

- هي صغيرة جدا وليس من اللائق أن تلاحقها.

ضحك وقال:

أعتقد أنها تكبرك بعام يا عزيز وأنت لست صغيرًا.

- ولكنها طفلة بريئة.

الحقير وجد متعه في استفزازي وقال:

- سأفكر في الأمر، وإن أقنعتني بسبب آخر سأبتعد عنها فقلت:

- إنها متزوجة من الشيخ طبرق أتحتاج سببا أقوى من هذا؟

ضحك مجددا وقال:

- إن كانت متزوجة فإن الله أحلَّ الطلاق يا عزيز.

- أرجوك يا حيان ابتعد عنها.

فقال ساخرا:

- أعطني سببا وجيها وسأبتعد عنها.

خجلت أن أخبره بأني أعشقها، ولا أتخيل أن تكون مع أحد غيري وقلت له:

- أنت لا تعرف قصتها؟

كان وقحًا في قوله:

- أعرف قصتها كاملةً.

- لا يعرف قصتها غيري.

- أعرف أن عائلتها قد تم سرقتهم وقتلهم أمام عينيها وهي في الرابعة عشرة.

- هذا جزء من القصة فقط.

- وأعرف أيضا أن طبرق قتل اللصوص الثلاثة وأنقذها قبل أن يعتدوا عليها ومنذ ذلك اليوم وهو يعتني بها.

فاجأني فسألته:

- هل أخبرتك بذلك؟

- لا لم تفعل.

أغمضتُ عيني واستعرضت ذاكرتي ولم أجد إلا أنها باحت بسرها لرباب التي أخبرته، فقلت:

- القصة ليست كاملة.

- إن قصدتَ الجان وما تعتقده عن طبرق فهذا أيضا أعرفه.

- إذًا أنتم جميعا لا تعرفون القصة الحقيقية.

فضحك وقال:

- بما أنك الوحيد الذي يعرف كل شيء هيا أخبرني القصة.

فضحكت وقلت:

- وهل تعلم أنها تعشق طبرق إلى حد الجنون؟

فقال ساخرا:

- الكل يعرف ذلك يا عزيز.

- ولكن لا أحد يعرف، ولا تعرف هي أيضًا أنها تعشق الرجل الذي ذبح أهلها أمام عينيها.

أربكته وأخرجته من غروره واستحوذت على انتباهه وسأل:

- وكيف تعرف ذلك؟

سخرت وقلت:

- لقد علمني روهان بيك أن كل قصة تخفي بين ثناياها قصةً أخرى ولو كنا نجيد الإصغاء لعلمنا أن الأسرار تختبئ بين التفاصيل، وتحتاج إلى الأسئلة المناسبة لتكشف عنها، ونيروز روت القصة بعيني طفلة عمرها أربعة عشر عاما، جلست مرعوبة تراقب وتشاهد ذبح عائلتها وممارسة طقوس السحر الأسود، وشق صدورهم وانتزاع قلوبهم، وما روته أن مجموعة من اللصوص اقتحموا بيتها وأمسك كل واحد منهم بأحد أفراد عائلتها، وذبحوهم في اللحظة نفسها، هذه القصة مليئة بأسئلة تعجز طفلة عن إجابتها فلا يمكنها في أجواء الرعب والصدمة تحديد عدد اللصوص أو وصفهم، وبما أن عدد أفراد عائلتها كان أربعة يمكننا أن نرجح أن الذين اقتحموا بيتها أربعة على الأقل، وعدد الذين قتلهم طبرق عندما حاولوا الاعتداء عليها كان ثلاثة، فأين اختفى الرابع إن كانوا أربعة فقط؟ وكيف ظهر طبرق فجأة لينقذها؟ هناك جوابان لهذا السؤال، الأول؛ أنه فعلا من أمراء الجان وظهر من العدم، والثاني أنه الرابع، وبإمكانك أن تختار بين الهراء والمنطق والكثير من التفاصيل التي اختبأت بين السطور دلت أن نيروز كانت صغيرة والصدمة شلَّت قدرتها على التفكير ووجدت في طبرق الملاك المنقذ والمنتقم، ودفعها انهيار عالمها بكامله لتتعلق به وكما قال روهان يوما: "لكل شخص وجهان ملاك وشيطان وما نراه يتأثر حسب علاقتنا به والشيطان الذي يشعرنا بالأمان سيتحول إلى ملاك" وطبرق أراد أن يستحوذ على هذه الصغيرة لنفسه لهذا قتل رفاقه وزرع في عقلها أوهام إنقاذه لها وحينما رأى أن هناك من يرى قباحته جمالا، وشره خيرا تعلق بها وحاول أن يعوضها عن كل شيء، ولعله يعلم أنه بدونها لن يكون سوى مسخ لعين.

وللمرة الأولى منذ عرفت حيان أبدى إعجابه بي وقال:

- صدق روهان! أنت أكثر الحمقى ذكاء، والآن أخبرني أيها العبقري كيف يمكن أن نخبرها بهذه الحقيقة لننقذها من هذا الوحش؟

- ابتعد عنها فقط، نيروز لم يتبقَ لها سوى الأوهام لتعيش، وطبرق الوحيد الذي يحبها ويحميها ولن يؤذيها يومًا.

- الآن عدت تتكلم كالحمقى، مثل هذا المسخ لا يمكن أن يكون خيرا لها يوما.

- في مثل هذه القافلة تحتاج لمن هو مثله، وبدونه سيتم دفنها حية، ابتعد أنت عنها، وستكون بخير.

- لا علاقة بيننا، وكل هذا يدور في خيالك المريض يا عزيز.

- لست الوحيد الذي يشك في علاقة تجمعكما، الجميع يتحدث، وإن بلغ آذان طبرق شيئًا لن يرحمك.

ضحك وقال:

- الجميع يتحدث عن عشقك وولعك أنت بها، وربما يجب أن تحذر أن يصل خبر لطبرق بدلاً من تحذيري.

أجبته على الفور:

- طبرق لا يقيم وزنًا لتصرفاتي، وأنا في نظره مجرد أبله لا أكثر، أرجوك ابتعد عنها.

- ماذا أفعل حتى أخرج هذه الأوهام من رأسك؟ وهل كلما تحدثت معي يجب عليَّ طردها.

- تحدث معها، ولكن تجنَّب أن تجالسها بعيدا عن الأعين.

ضحك وقال:

- أعدك كلما جاءتني سأدعوك لتكون محرما بيننا.

تركته يضحك وعدت إلى خيمتي، وأقسمت أن أنتقم منه إن لم ينفذْ ما طلبت، عدت لأبحث عن تفسيرٍ للعلاقة المُبهمة بين جمال الدين والكعب، ولم أجد منطقا.

أشرقت شمس الأحد ، وأوصيت سالمًا أن ينوب عني في عمل الصباح كي أبدأ يومي باستكشاف أسرار قافلة عديد، فأعددت طنجرة كبيرة من القهوة وبعض التمر وملأت جيوبي بالحلويات لأكافئ الثرثارين من رجاله، ولمَّا بلغتُ الرقعة التي خيموا فيها لم أجد لهم أثرا، ولم يثر ذلك استغرابي بقدر رؤيتي لجمال الدين والكعب وقد انزويا تحت شجرة في هذه الساعة المبكرة، وما نمت أفكر فيه أمس وجدته في انتظاري صباحا!

<<<<نهاية الحلقة 51 >>>>>>



© 2023 by JarretDahab