جرة ذهب - الحلقة الخامسة

تاريخ التحديث: 3 مايو 2018

يتوقف الحديث، يعم الصمت، وما زالت أذني تترقب، شعرت بظل أحدهم فوق رأسي، كانت خطوات البيك أسرع من استرداد أذني، رمقني بنظرة حادة، وهز رأسه قائلاً:

- سيقتلك فضولك يوما ما يا عزيز. كم نهيتك عن ترك التلصص! اذهب وآتني بالماء لاغتسل.

أفرُّ لأنجو من نظراته ومن حديثه الممل الذي أنفت منه أذني، لقد أمسك بي أكثر من ستين مرة، وأفلتُّ ألف مرة، ماذا أفعل! لا أستطيع أن أكف عن التلصص.

أحضرت الماء، وتجرد من جميع ملابسه فوق صخرة خارج الخيمة، وترك جسده المترهل يعاقب عيون الفضوليين، وأمرني بصب الماء فوق رأسه...يوشك القمر أن يصير بدرًا، وقد سلط ضوءه علينا، تمنيت لو أنه ستر عورته.

أخجلتني عيون الجند المراقبة الشامتة...ليته يبلع لسانه حتى لا يجذب المزيد من الفضوليين! ولكن هيهات للبيك بعد أن شعر بالانتعاش أن يوفر سخفه وحماقته.

البيك:

- لا تنظر إلى مؤخرتي يا عزيز.

القهقهة تدوي...يزدحم الضجيج...أذوب خجلا.

يهز البيك مؤخرته الساخرة، ويؤدي رقصة رجل الغاب، سائلاً بأعلى صوته:

- هل تروقك مؤخرتي يا عزيز؟ .. القهقهة تدوي مجددا

تيبَّس لساني، تركته إلى الخيمة، تبعني وارتمى على فِرشته، وطلب مني رش القليل من الماء للتخفيف من وطأة الحر.

غطَّ في نومه، كنت أعتقد أن مزاجه المنتعش سيشفي غليلي، ولكنه لم يرحم عذابي بكلمة أو بحرف واحد؛ تركني أتقلب في نار الفضول، فعزمت على دخول الكهف، ولو كان الثمن قتل أحد الجند، وما كنت لأجرؤ على قتل دجاجة...تأهبت للخروج ولاحقني صوته قبل مغادرتي:

- عزيز...لا تنقاد لما في رأسك، لقد أمر الملازم جنوده بإطلاق النار عليك إن اقتربت من الكهف.

لابد أن الجنود سيسرهم قتلي...كنت أعلم أنه يخدعني، ولم أمتلك الجرأة لاختبار صحة قوله، فضَّلت البقاء بالقرب من "البيك" على الاقتراب من الأوباش.

تُرى ما المؤامرة التي رتب لها مع الملازم؟ وما حاجتهم لصناديق خشبية؟ ولماذا لم يكن حيان مرتاحا؟ وما السرقة التي يخشى أن يُتهم بها؟ أيعقل أن هناك نية لسرقة ما في الكهف! سيذوب القمر على نار شمس الصباح وسأكشف ما أعجز عن تفسيره.

تنسج الشمس خيوطها الذهبية، ولم يتعجل روهان الذهاب إلى الكهف، تناول الإفطار، وشرب القهوة، واحتسى ربع زجاجة عَرَق؛ لقد عاد إلى طبيعته؛ فمنذ مجيئنا لم يقترب زجاجة الشراب.

أطلَّ حيان من بعيد برفقة كلبه العربي رشيد، وما إن رآه روهان حتى فتل شاربه لتظهر شفتاه مزينة بالابتسامة...قفزت الفرحة من عينيه، وكدتُ أسمع دقات قلبه الراقصة.

اقترب حيان وهز رأسه بصمت، يتبعه بعض الجند يحملون على أكتافهم قماشا وشوالات من الخيش، وصناديقا خشبية؛ ظاهرها يدل على الغباء، لا بد أنها جُمعت من القمامة، لم أخطئ كثيرا، فهي صناعة عربية، صُنعت بسواعد جند المعسكر، فخرجت بأقبح صورها؛ خامتها بعض كومات القمامة، وما تبقى من صناديق الخضر والذخيرة، كان حجمها كبيرًا؛ فاستحال عليهم إدخالها الكهف، فأمرهم الملازم بنصب خيمة فوق المدخل، وترك الصناديق والابتعاد.

دخل الاثنان الخيمة ثم انتقلا إلى الكهف، وبعد مرور ساعات خرج روهان والملازم حيان مغبّريَن، وانزويا يتهامسان من جديد، تسللت خلفهما لأعي ما يدور بينهما.

البيك:

- لقد فعلت الصواب يا حيان، دعنا ننهي ما بدأناه سويًّا.

حيان بصوت يحمل الكثير من التردد:

- ما نجترأ عليه ليس هيّنًا؛ إن كُشف أمرنا سيتهموننا بالسرقة.

البيك:

- لا تخف، لن يكتشفوا شيئا، سنخفي الكهف ونبتعد، وسأتدبر أمرك، لديّ الكثير من العلاقات، لنتحرك توًا وابقَ ملتزما بالخطة.

حيان بنبرة صوت باحثةً عن طريقة للتراجع:

- دعنا نعطيهم شيئا يفرحهم ويلهيهم عن التفكير.

احتد البيك:

- لا...إن أخذوا شيئا ستنفتح شهيتهم وسيندفعون للبحث بهمجية، لا داعي لأن يعرف أحد بالأمر، صدقني أنت تقوم بأصوب عمل في حياتك، دعنا نوهم الجميع بأنه تم نقل كل شيء إلى المتحف واترك عليّ ما تبقى.

حيان:

- وإن قاموا بتفتيش الحمولة، كيف سنقنعهم بما في الصناديق؟

رد عليه البيك:

- لا تخف، بإمكاني إقناعهم بأي أمر أريد.

يتابع البيك ضاحكًا:

- ذات مرة أقنعتهم أن التراب مقدس.

وإذا بعينيّ البيك تبحث عني، وكأنه على بينةٍ من أمري، رماني بنظرة حملتني وألقت بي بعيدا، ولم يكن أمامي سوى أن أراقب من بعيد.

اتجها إلى الكهف؛ الأول راضٍ هادئ، والآخر عابس مرتبك. تركاني في حيرة وبعد ما يقارب الساعة شرع الجنود يحملون الصناديق الخشبية المغطاة بالخيش لتحجب ما بداخلها.

عينا روهان تنضح بالفرحة، ولم يتوقف عن التربيت على كتف حيان، ولسان حاله يقول له "شكرًا" لا تخف، تشجع...لن يكتشف أمرنا أحد"، أمَّا الملازم فكان قلقًا؛ تفضحه تعابير وجه.

يشرف روهان بنفسه على تحميل الصناديق على الجمال، وينبئ الجهد المبذول لحملها بخفة وزنها. يحيرني إصرار البيك على أن يتعاون عدة جنود في حمل الصندوق الواحد، وتعمده أن يتم ذلك بطريقة استعراضية...ربما لإيهام الجميع بإفراغ الكهف...أجاهد رغبة نفسي في الاقتراب من الصناديق.

زمُّوا حمولة الإبل، واعتقدت أنها النهاية، وإذا بروهان يأمر الجميع بالعمل على دفن الكهف، أكثر من ثلاثين جنديا عملوا -كخلية نحل- على طمر بوابة الكهف.

أشعر أنني أدفن حيا...اعتقدت أنه الحرص على الرسومات الجدارية والفسيفساء، وبعد مضي ساعة من العمل الدءوب يقول حيان:

- دعني أفعلها على طريقتي.

يهز البيك رأسه معترضًا:

- لن يحدث.

ما كنت لأصدق أن البيك الذي لا ينحني لالتقاط طربوشه يحمل الحجارة والتراب كشاب في العشرين من عمره! أحرقتنا حرارة الشمس حتى دُفن الكهف، واختفت معالمه، وإذا بالبيك يحثنا على مواصلة العمل...لم يرق لنا ذلك، حيان يعود لقولته:

- دعني أفعلها بطريقتي.

أصاب اليأس روهان، فاستجاب لطلبه:

- افعلها ولكن من أعلى نقطة وبحرص شديد.

أراد حيان استخدام المتفجرات لطمس معالم الكهف، وكان البيك معارضًا، ثم وافق شريطة ألا يتأثر الكهف، أعد حيان ما يلزم للتفجير، وأشار إلينا وابتعدنا جميعا لمسافة آمنة، دوَّى انفجار عظيم هز المنطقة وما جاورها، وعلى أثره تجمهر الكثير من العرب من بعيد للمراقبة.

تخر الصخور على أذقانها من كلِّ مرتفع بالأطنان، ويختفى مع انكبابها كل أثر للمكان...لقد دُفنت أحلامي بالثراء......لقد أُغلق هذا الكهف إلى الأبد.

نجح البيك في إخفاء هذا الأثر، ومسح أي أثر يقود إليه...أراه ما فعل ذلك كعالم أثر، بل كمجرم يخفي أثر جريمته...هذا ما كنت أعتقده حينها.

اطمأنت نفس البيك، فصاح بأعلى صوته:

- أين الدواء يا عزيز؟

أحضرتُ زجاجة عرق، لففتها بقطعة قماش للتمويه، تلقفها مسرعًا...يتلذذ برشفها، والكل يراقب، يرفع يده ويلوح بزجاجته مناديًا بأعلى صوته:

- هل من مريض يحتاج أن يشاركني الدواء؟

الكل يدعو له بالشفاء، لم يبد أنهم اكتشفوا سر الدواء.

خرجنا من المناطق الوعرة قبيل غروب الشمس، وكان برفقتنا ستة جمال محملة بالصناديق، وبغل واحد يحمل أغراضنا، رافقنا الملازم حيان ولم يمتطِ جواده احترامًا للبيك الذي فضل أن يسير راجلا حتى يتجاوز الممرات الوعرة.

لم يمضِ الكثير من الوقت حتى وصلنا إلى نقطة التقائنا بالعربة العسكرية العجيبة لتقلنا إلى محطة القطار، ويبدو أنها لم تصل ولن تصل، ربما قد تعطلت في طريقها. هكذا أخبرنا الملازم. فضَّل البيك مواصلة المسير دون توقف، فتنازل جنديان عن جواديهما، عائديَن مع البقيةِ إلى المعسكر، ولم يبق برفقتنا سوى ثلاثة جند.

مررنا على مقربةٍ من عربٍ بعدد الحصى...لم يسرني التغير الطارئ لمخطط رحلتنا؛ لقد حُرِمتُ زيارةَ القدس والبتراء، إن المؤامرة التي حاكها الملازم والبيك قد عبثت بكل أمل...ينتابني الريب بوجود أمر دنيء متعلق بسرقة كنوز الكهف، وسأكتشفه سريعا.

في طريقنا تجمعا سكنيا...يسأل البيك ساخرًا:

- هل تلك هي مناطق الحكم الذاتي لليهود؟

حيان:

- لا إنها قرية عربية، تجمعاتهم في الجهة المقابلة، هل أنت من المعارضين للوجود اليهودي؟

البيك:

- مُطلقًا، لقد كنت من المؤيدين لإقامة حكم ذاتي يهودي يمارسون خلاله طقوسهم الدينية في سكينة، كما أؤمن بأن مشروعهم الزراعي سيثمر فوائد جمة على الجميع، إنهم قوم مسالمون، ولكن طموح قادتهم يثير الريبة، وأبغض تحايلهم واستخفافهم بعقول الآخرين.

حيان يرد في حَنَق:

- اطمئن لدينا أوامر بحراستهم وعدم التدخل في شؤنهم، وحماية تجمعاتهم الزراعية.

طال الحديث وكان مملا، لم أشغل بالي بالتفكير فيه، فأنا أمقت السياسة...أثناء طريقنا إلى حيفا أصر البيك أن يأخذه حيان إلى البحر؛ ليسبح قليلا، وعارضه حيان بحجة اقتراب الصبح.

إصرار البيك أوصلنا إلى شاطئ البحر، وطلب حيان ألا نطيل البقاء على الشاطئ معللا ذلك بأن دوريات من الدرك لا تنفك عن المرور، وستطرح الكثير من الأسئلة المزعجة، والعلاقة بين الدرك والجيش متوترة قليلاً.

سبح البيك عاريا، وغفوت قليلا، ثم غادرنا الشاطئ، ومع بزوغ الفجر وصلنا إلى محطة القطارات؛ وجدناها مضاءة بمصابيح خافتة، غارقة في هدوءٍ سرعان ما تلاشى فور اقترابنا منها.

قام الملازم بصرف جنوده ولم يبق سوى رشيد، وأخذا جانبا خلف أحد دكاكين المحطة، واستبدلا ملابسهما العسكرية بأخرى مدنية.

أراقب حيان بنظرات شامتة؛ تتلاشى هيبته العسكرية مع زيه المخلوع، أمَّا رشيد فلم أكن أعيره اهتمامًا؛ فليكن بزي عسكري أو مدني؛ لم أشعر يوما بالغيرة من عربي.

أحب التجوال في الأماكن الرحبة...أستكشف المحطة، قادتني قدماي إلى حيث يقف روهان بيك، كان يحاول جاهدا قراءة كلمات منقوشة على جدار مغبَّر أمامه.

بعدما وقفت إلى جواره قال ساخرًا:

- لقد سقط الطربوش يا عزيز.

فأخبرته أن الطربوش ما زال على رأسه، فضحك قائلاً:

قصدتُ طربوش مولانا. ما رأيك أن نسبح إلى بيروت ونريح أنفسنا من ضجيج قطار مولانا؟ أخشى أنه لن يصل قريبا.

وتمتم كثيرا بغير توقف، حينها لم أفهم قصده، ولم أجهد نفسي لأفهم؛ فكل ما كان يشغلني هو اكتشاف ما تُسرِّه الصناديق، انشغل روهان وحيان بالتخطيط لطريقة مثلى لتهريب الصناديق إلى تركيا، وربما سرقتها فيما بعد. حقيقةً ما كنت لأشك يوما بأن روهان قد يكون لصا، ولكن الأسلوب الغامض الذي اتبعه مُذ دخول الكهف حتى هذه اللحظة يثير شكوكي تجاه مؤامرة دنيئة؛ إن نقل آثار إلى المتحف لا يحتاج إلى هذا الغموض والسرية من سلطوي مثله.

استيائي مما حدث لم يكن بدافع الأمانة بقدر ما كان بدافع الغضب والغيرة؛ تجاهلني البيك ولم يطلعني على شيء، حسبتني الأقرب إليه، فكيف احتل رجل آخر مكانتي في أيام قلائل! كيف يكون موضع ثقته! فما كنت لأتوانى عن سرقة قبر الخليفة من أجله لو أراد ذلك.

يكاد يخنقني الفضول لكشف الأسرار التي نحملها، وتكاد الغيرة تحرقني، اقتربت من أحد الصناديق، مددت يدي وأخذت أمزق الخيش الذي يخفيها، رصدتني عينا الثعلب روهان، فنادى عليَّ من حيث يقف:

- انتبه يا عزيز حتى لا يسقط طربوشك ويضيع بين الصناديق.

التفت اليه من وراء كتفي، تقول عيناي في تحدٍ:

- سأعرف ما في الصناديق حتى لو كلفني عمري ثمنا لذلك.

يرسل نظراته الساخة كبرق خاطف...وقفت مشدوهًا...سُرق إصراري... تقودني قدماي بعيدا، لم أحاول تبرير اقترابي، أشعر بأنني عدتُ صغيرًا يجرُّه أبوه إلى متحف كبير، ويتركه سريعًا قبل رؤية البيك... تمتلأ عيناه بالشفقة من حيرتي؛ يقترب مني ويربَّت على كتفي ويهمس في أذني:

- لا شيء بالصناديق يا عزيز...لا شيء سوي حجارة سخيفة، والقليل من التراب؛ لنوهم الجميع بأننا أخذنا كل ما في الكهف؛ حتى لا يعودوا للبحث.

شعرت كأنه بصق في أذني وسخر مني، هل اعتقد أني بهذا الغباء لأصدق أن كل هذا الجهد من أجل لا شيء! الملازم يخلع زيه من أجل لا شيء! لا بد أنه أراد أن ما في الصناديق يفوق قدري ومكانتي، وما أنا إلا خادم عنده، ومهما تعلمت يجب ألا أنسى مكانتي، ربما كان يجب أن أتقبل الواقع، البيك بيك، والباشا باشا، ونحن جميعا خدم في عالمهم البغيض.

ومن أنا فعلا! لست أكثر من شاب صغير والده من عامة الناس، التحق بروهان كخادم يراقب الطربوش، ويمسح الغبار عن المنحوتات، ويعد الطعام والشراب للبيك، لا تهم السنوات التي قضيتها في تعلم كل شيء، لا تهم اللغة العربية التي بذلت كل طاقتي في تعلمها وإتقانها؛ ليسهل عمل البيك في الترجمة والتواصل مع الآخرين؛ كنت أراه صديقا ومعلما ووالدا، ولا أشعر بالحرج من جمع أحذيته كلما قرر السفر، ويبدو أن كل هذه السنون جعلت مني خادما بارعًا، لا يحق للخادم أن يطلع على أسرار سيده، وليس له أن يؤتمن عليها...حيان ملازم أول بالجيش وله مكانته، وهل يجب أن أقارن نفسي به! أنا لا شيء...لا شيء أنا.

تعاظمت كراهيتي، لماذا يذكرونني بحقيقتي دائمًا! ألم يكن من حق ابن الطباخ أن يكون مثلهم! ألن تتوقف الأيام عن إذلالي!! ليت المسكين أبي لم يكن طبّاخا! ليتني لم أولد قط!

لم يفلح القمر في تزيين السماء هذه اللية، فيتنحى في صمت، وتتسلل شمس صفراء في بطء كئيب؛ نور باهت يحاول الانتشار، ثم يقترب خمسةُ جند، تأكل أقدامهم المسافة بيننا، يلوح بريق أعينهم، يرموننا بنظرات مرتابة، تأهبوا وكأنهم في مواجهة أعدائهم.

تفرقوا...يتفقدون المكان في حذر، تشير وضعية بنادقهم إلى أهبتهم لخوض معركة، ارتبك الملازم حيان، وتكور على نفسه وأحنى رأسه كلص صغير يخشى القبض عليه؛ لقد خلع رداءه العسكري، تجرد من سياج حمايته.

يهمس في أذني روهان، فرد عليه:

- لا تخف لقد أخبرتك أن الصدر الأعظم سعيد باشا صديقي وسنجد حلا لكل شيء.

أحنى الملازم رأسه من ثقل الهم الجاثم على عنقه، كم سيسرني أن أراه مفصولا عن جسده! كم كان رشيد مرتعبا! ترتعد فرائصه؛ يجاهد كي يتمكن من قضم أظافره وأكلها.

وأنا أردد سرًّا:

- وسقط الطربوش يا حيان سقط الطربوش.

كم كان يبغض روهان الوزير سعيد حليم باشا! لا علاقة بين روهان والصدر الأعظم كما ادعى...أشك وأتمنى أن أكون مصيبا...استغل روهان الملازم وخدعه، والله وحده أعلم بما أغواه به ليعود بالآثار إلى تركيا، لتجد طريقها إلى المتحف السري الخاص به وبالـ "وزة هانم"، هذا ما بدا لي وقتها.

ما كنت لآبه لو سرق حيان كنوز العالم وآثاره، ولكن لن أسمح له أن يسرق مني البيك وهو كل عالمي؛ لا قيمة لي بدونه، لقد انتشلني هذا الرجل من مستنقعٍ كنت فيه ضفدعا بليدا أبلها، سخر منه معلموه وزملاؤه، وكان محطة لنكاتهم وسخريتهم كُلَّما أرادوا التسرية عن أنفسهم.

قبل ثماني سنوات اصطحبني والدي إلى أحد المتاحف، وكان عمري حينها خمسة عشرة عاما، وقبل أن يتركني في انتظار المجهول، لم يزد عن قوله:

- ستتعلم وتعمل هنا.

جلست على أحد المقاعد وحيدا، وكنت أعتقد أنى سألتقي (الأوسطي) صاحب العمل، وأنه سيسخر مني كما اعتاد الجميع.

مرت ساعات قبل أن يقف أمامي رجل بأواخر الستينيات من عمره؛ يطيق وجهه حمل ثلاثة شوارب؛ الأول كثيف أخفى شفتيه، لونه فضي وقد اصطبغ بصُفرة غَليون التَّبغ، وفوق كل عين شارب كثيف، أبيض اللون، ناعم الملمس، تخاصمت خُصَلُه فتباعدت، لم يرتدِ طربوشا، ليس ممن يهتمون بالأناقة، اعتقدت أنه الخادم العجوز للمتحف، رمقني بنظره وقال:

- عزيز يا بليد تحرك بسرعة وابحث عن طربوشي وأحضره.

تصنمت على المقعد، أربكتني رهبة البهو الواسع، وهالني شارب الخادم ذي المظهر الغريب، فسكن الخوف قلبي، وزادني بلادة على بلادتي، فصرخ بأعلى صوته:

- هيا تحرك يا ولد.

قفزت خوفًا، تتعثر خطواتي، أركض بلا هدف، تتلقفني غرفةٌ بعد غرفة، أبحث عن طربوش العجوز، أسعفني الحظ، بين ركام أحد المكاتب، فلمحت طربوشا، إلتقطته، وعدت به على عجل...يقهقه بأعلى صوته قائلاً:

- اجلس يا عزيز والتقط أنفاسك، وابعد عينيك عن شاربي العظيم، وأخبرني عن رأيك فيه؟

انعقد لساني ولم أنبس بحرف، فعاودني تكرار سؤاله:

- مارأيك بشاربي يا عزيز؟

تفور الكلمات بداخلي، ولكنها تُحشر في حلقي وتتأبى على النطق.

أتساءل في وجوم:

- هل جاء بي والدي إلى هنا لأمتدح شارب الخادم.

أخاله يبتسم، والشارب يحجب يقيني بتبسمه.

يقول بانفراجة يسيرة:

- حينما أسألك عن شاربي، أجب "شاربك عظيم يا بيك" هيا قل ذلك وأفرح قلبي العجوز.

قلتُ مُرتعبًا:

- شاربك عظيم يا بيك.

تابع في سخرية:

- وطربوشي؟ أليس عظيما أيضا؟

أصر على أن أردد خلفه "شاربك عظيم، طربوشك عظيم"، ثم سألني:

- أين وجدت الطربوش؟ وماذا كان بجواره؟ وخلفه وأمامه وعن يمينه ويساره؟ ما لون المكتب؟ وما عدد اللوحات التي تزين الجدار؟ وما عدد المقاعد والأقلام؟ ومنفضة السجائر كم عُقْبًا فيها؟ والدك أخبرني أن ذاكرتك خارقة ولا تنسى شيئا.

أسئلته متعددة، لا تحصوها النظرة الأولى لولد صغير لم يعر اهتمامه سوي بالبحث عن طربوش في مكان يجهله، ولكنها أسهل من سؤاله عن شاربه، تلعثمت كثيرا، ثم بهرته إجابتي؛ ولم أخطئ إلا بالأعداد.

ابتسم قائلاً:

- عزيز...من اليوم أنت مسؤول عن طربوشي وشاربي، ومهمتك أن تراقبهما حتى لا يضيعا مني، الويل لك إن حدث ذلك.

هذا الذي انحنى ظهره من ثقل رأسه وشاربه، هذا الذي اعتقدته خادم المتحف كان روهان بيك، ولن أتردد في قتل أي شخص يحاول أن يسرق مكانتي عنده.

يعلو نهيق الحُمُر، ينبئ بانتصاب أذنيها وصدْق لقمان الحكيم...لم تكف الحُمُر عن التواصل؛ نهيقٌ بنهيق...قافلةٌ تطالع من بعيد، يطوقها عدد كبير من الجند، ويبدو أن الخمسة الذين وصلوا مسبقا ليسوا سوى طليعة هذه القافلة، التي ضمت عشرة جمال لا تشبه جمالنا الهزيلة الجرباء؛ كانت سمينة ونظيفة، تفوح منها رائحة الرفاهية والدلال، ولا ينقصها إلا ربطة عنق وحذاء إيطالي لتفوز بلقب "جمل باشا".

أما الحمولة التي حملتها فقد سترها سجاد أحمر فاخر لحجبها وجلب العيون عنها، يحرسها أكثر من خمسين خيالا مدججًا بالسلاح، وبجوارها الكثير من البغال والحمير، وعدد كبير من الحمالين والخدم والعبيد.

وصلت القافلة، ولم يلق علينا التحية أحد، ولكن دوابهم تواضعت، أو تجاوزت حدود التهذيب واختلطت بدوابنا الجرباء، فانزعج الساسة وحاولوا الفصل بين جمالنا الهزيلة الجرباء التي سكنها القُراد، وحمولتها الخشبية، وبين جمالهم المدلـلة وحمولتها الغامضة الملفوفة بالسجاد الأحمر.


© 2023 by JarretDahab