جرة ذهب - الحلقة الثامنة والأربعون

#جرة_ذهب_الحلقة_48

أعددتُ القليلُ من الطعام للغرابين وبصقتُ فيه، وحينما قدَّمته لهم أخذاه ولم يشكراني، تجاهلتهما ولكني عدتُ وفكَّرت أن هذين القردين أصبحا جزءا من مملكتي، ولن يغادرانا قريبا، وأشك أن هؤلاء الرجال لهم علاقة بالبشر، تساءلت عن الطرق التي تم تدريبهما بها لعلي أجد طريقة لترويضهما! لابد أن أجد لغة للتواصل معهما ربما تخدم مصالحي لاحقًا، ذهبتُ إليهما وحرصت ألا يتبعني طبيلة؛ فتصدر عنه حركة عفوية ويقتلوه؛ وما كنت لأنسى عندما قام أشباههم بإطلاق النار على الكعب وجودت قبل أسابيع، أخذت لهم الماء ولم يطلبوه، ولم أر أسنان أحدهما، ولم أيأس، فلا شيء يشغلني اليوم ولدي الكثير من الوقت، عدت وأحضرت تمرا، وحينما جئت لهما بالسجائر لم يدخنوها، وبعد جهد جهيد نطق أحدهم بالتركية وقال شكرا، أسعدني هذا وعلمتُ أن أحدهما ليس أخرسا.

بعد العصر خرج جودت من خيمته معلنا انتهاء العزاء، وقد ارتدى بدلة عسكرية شدها حزام فيه قراب مسدس، وانسجمت جزمته ذات العنق الطويل مع ملامح وجهه الحادة، بالأمس دخل خيمته يبكي وينوح كالنساء، واليوم خرج منها قائدا مقاتلا متشبهًا بيعقوب، فهل يُعقل أن روح القتيل قد سكنته؟

وبصوت خشن قال:

- عزيز أحضر كل الجرار التي بحوزتنا إلى الخيمة هيا أسرع ولا تتلكأ.

أجبته:

- سمعًا وطاعةً سيدي.

وقلت سرًا:

- سبحان مقلب القلوب ومغير الأحوال! انقلب جودت الرقيق الناعم إلى خشن حازم.

بحثت عن سالم وحينما وجدته خشنت صوتي وقلت:

- سالم أحضر لي كل الجرار هيا أسرع ولا تتلكأ.

تجاهلني ذلك الأبله، ربما لو كنت أرتدي حذاءً طويل العنق لقال: "سمعًا وطاعةً سيدي"، لم أجد من يطيعني سوى طبيلة، جمعت الجرار وكان عددها يقارب الأربعين وحين عدتُ إلى الخيمة استوقفني الغراب ولم يسمح لي بالاقتراب، وأغاظني ذلك كثيرا وحين خرج جودت أشار بيده نحونا وقال:

- هذان الاثنان يسمح لهما بالاقتراب في أي وقت ولا تعترضا طريقهما.

نعم نحن أبلهان لا نشكل خطرا على الأفندي ولن نغرس خنجرا في صدره، لم أشعر بالرضا لأنه يخشى الآخرين ولا يخشاني، وودت لو أخبره كيف قطعتُ رأس سعدون وركلته بقدمي ليرتعب مني أيضًا.

أدخلت الجرار حتى ازدحمت بها الخيمة ولم يعد هناك موقع قدم، وطلب مني أن أملأها جميعا ذهبًا بمساعدة طبيلة، هذا الناعم الحقير ساوى بيني وبين حارسي الشخصي، أعددت صف الجرار، وبدأت أملأها بالذهب، وانشغل طبيلة باللهو بالقطع الذهبية، فوجوده بالإضافة إلى رائحته الكريهة كانت عبئا علي، وحينما اشتم رائحة الطعام بالجوار ترك الذهب واندفع لالتهام ما يقع تحت يديه، واضطررنا إلى إخراجه بعيدا لإنقاذ الطعام الفاخر الخاص بالأفندي.

اشتد بي الإرهاق ولم أتمكن من ملء عشر جرار، وألحت عليَّ الراحة، وحينما خرج لقضاء حاجة أسرعت بإلقاء نظرة على يومياته المشفرة، وكتب فيها جودت أفندي:

- ((سألني يعقوب قبل أيام هل الأفعى غبية؟ فأجبته: حرصها أن تبتعد عن البشر يدل على ذكاء.
فسأل: هل خطر ببالك يوما أن تكتب شعرا في أفعى؟
فضحكت وقلت:
- لقد كتبت الكثير من الشعر في الكثير من الأفاعي.
فقال:
- لا أقصد النساء إنما الأفاعي الحقيقية فمنذ ثلاث أيام تزورني أفعى غبية ليلا أطردها وتعود وقتلتها بحذائي وألقيت بها بعيدا، وبالأمس عادت لتزورني.
ابتسمت وقلت له:
- وهل تقتل الأفعى تنينا.
أعجبه ما قلت فقال:
- أحسنت يا جودي هذا شعر جميل.
فأجبته:
- هذه مقولة قالها زارا ولستُ قائلها يا صديقي.
لم أعلم أن هذه ستكون المرة الأخيرة التي أضحك فيها مع يعقوب حينما قال:
- هذا الزارا يجب أن نضمه الينا.
راودني كابوس لعين رأيت فيه يعقوب يغرق في نهر الأردن ويمد يده لأنتشله ففزعتُ من نومي وهرعتُ إلى خيمته لأطمئن عليه، كان نائمًا كطفلٍ صغيرٍ مسربلٍ بالدماء، أغمضتُ عيني وفتحتها ووجدت نفسي في كابوس داخل كابوس، تصنمتُ مكاني وتهتُ بأفكاري ولم أعد أميِّز الواقع من الحلم، سأصحو من هذا الحلم ولن يكون يعقوب ميتا، صحوتُ منه ومازال غارقًا في دمائه...مَنْ قتله سيقتلني ولكن لماذا؟!
أسرعتُ إلى التلة وأرسلتُ في طلب شكيب وكاظم، وعدتُ لأبكيه وأبحث عن قاتل صديق طفولتي، غرسوا خنجرًا في قلبه، لا أعرف أحدًا يقدر على القتل بمثل هذه الوحشية غير طبرق، هذا المشعوذ الذي لا يرتوي من الدماء، فكرتُ للحظات أن أحمل مسدسي وأطلق النار على رأسه لأريح العالم وأريح نفسي منه ولكني عدلت عن ذلك...لقد تحوَّل يعقوب إلى دمية يحركها طبرق وكان يسره أن ينشد معه الـ "قاقار باقار" وهذا المشعوذ بحاجة لقتلي أنا لا يعقوب...ونجا طبرق من لحظة غضب، وعثرنا على القاتل؛ عربي غزاه الشيب رافقني منذ أسابيع وكان بإمكانه قتلي في أي وقت شاء، كل الأدلة أشارت إليه وفاجأني يعقوب آخر؛ شكيب المتهور أعدم العربي أمام الجميع بلا محاكمة ولا شهود، ما كان شيء سيسرني أكثر من قتل قاتل يعقوب ولكن ليس بهذه الهمجية، أردتُ أن أعرف الدَّوافع التي دفعت رجلاً أشيبًا لهذه الجريمة اللعينة، ولكن شكيب نصَّب من نفسه قاضيًا وجلادًا! فهل قتل هذا العربي يعقوب حقًا؟ سيبقى هذا السؤال يؤرقني، غادرني يعقوب وترك أوجاعًا في قلبي لن تشفيها الأيام، وداعًا يا صديقي)).

عاد جودت أفندي وأشفق عليَّ وأدرك أن ملء الجرار ليس هينًا، وطلب مني أن أغلق فوهات الجرار التي انتهيت منها وأذهب لأرتاح قليلاً، ولم يكن إغلاقها هينًا أيضًا، خرجت من الخيمة، وكانت الشمس قد غربت منذ زمن.

ألقيت جسدي لأرتاح، وعاد وطلبني لأجهز البغال وأستعد للانطلاق وبما أني الخادم الأمين والذي لا يسمح لغيره بدخول الخيمة حملتُ خمس جرار بمساعدة طبيلة وانطلقنا بعد ترك أحد الغربان يحرس الخيمة ورافقنا الآخر مع مَنْ اختارهم الكعب، وهم؛ سالم ونعمة وأحمد شيخة الذي تظاهر بالمرض فاستُبدل بجوهر، وكانت هذه المرة الأولى التي رافقنا فيها شخص طويل القامة.

في الطريق لاحظت أن نعمة يحمل قربة ماء وذاكرتي لا تخطئ، هذه هي القربة التي ملأها ذهبًا، وما حاجته ليحمل الذهب معه! والنظرات التي تبادلها جوهر ونعمة دلَّت على أن الاثنين يخططان لأمر ما، فظننتُ أن شيخة تظاهر بالمرض بناء على طلبهما، راقبتهما طوال الطريق وتيقنت أنهما خططا للهرب معا، ونجاحهما في الهرب لن يكون لمصلحتي أبدا، وبدأت البحث عن أية طريقة قد تجهض خطتهم فالتقطت حجرًا حاد الرأس وسرتُ بجوار البغل وحين غفل عني الجميع غرستُ رأس الحجر في مؤخرة البغل وابتعدتُ مسرعًا، هاج وكاد يسقط الجرار وكان ذلك كافيا للفت انتباه جودت والكعب إلينا، ولكن سرعان ما عادا وانشغلا عنا، فرأيتُ أن أصبر قليلا، فلن يهرب هذين الغبيين قبل دفن الذهب وإبعاد الغراب الأسود عن موقع الدفن، وبعد ساعة ونصف من السير مررنا بطريق ضيقة بين التلال، لا تسمح إلا بمرور اثنين معًا، ويبدو أن إعدام أحمد الكبير قد أثر في عقل هذين الأحمقين ليعتقدا أنه المكان المناسب للهرب.

رصدتهم عين الكعب فور تخليهما عن أرسُن البغال بدأ الكعب والغراب المسلح في مطاردتهما، وجلست مع البقية في الانتظار، ولم يرفع جودت عينيه عن سالم خشية هربه أيضًا.

بعد نصف ساعة فقط عاد الكعب واصطحبني لأجد نفسي واقفا فوق جثة نعمة الذي تعرض لعدة طعنات من الخلف، وطلب أن أحمله مع طبيلة على حمار وفعلنا ثم سرنا عائدين ومن خلفنا طبيلة، وفي الطريق عرج بالقرب من مجموعة من الصخور وطلب منا أن نحفر وندفنه، أغلق نعمة المسكين عينيه، وكانت كل ما يملكه من وسامة، ولم ينتبه الكعب لما تحويه قربة الماء من ذهب، وحرصت أن أتركها في قبره؛ فليس فيها من الذهب الكثير ليستحق أن أشغل بالي به اليوم ولا بعد اليوم.

وحينما انتهينا طلب منا أن نحفر حفرة ثانية بجوار نعمة وتركنا وذهب دون مراقبة، لماذا يعتقد الجميع بأني وطبيلة أصغر شأنا من الجميع ولن نفكر في الهرب! عاد المسخ برفقة جودت وسالم والذهب، ودفنا جرة ذهب في الحفرة الثانية، ولم ينتبه سالم بأننا دفنا الذهب بجوار صديقه المقتول، ثم قام الكعب بطقوس الـ"قاقا باقا"، وحدث ما لم يخطر لي على بال حينما اصطحبني جودت بالقرب من أحد الصخور، وأعطاني إزميلا ومطرقة، ورسم سهمًا بقطعة فحم، وكان رأس السهم يشير إلى عكس الاتجاه الذي دُفن فيه الذهب، وبدأتُ النقش فوق ما رسمه بالفحم، وأبدعت في نقشٍ لا علاقة له بشيء، ولمَّا رأى جودت إبداع الفنان عزيز ابتسم، ويبدو أنه تنازل عن السهم واعتمد على ما نقشتُه، ونقلني إلى صخرة أخرى وطلب أن أنقش عدة نقاط فقط، وفعلت ولمَّا انتهيت ابتسم ثانيةً وربت على كتفي.

أكملنا طريقنا صعودا وسرنا عدة ساعات، وشعرت بأن في رأس الكعب خطة ما أو أنه عاد لأسلوبه القديم لإرهاق جودت فما كان هناك داعٍ لسير كل هذه المسافات والاقتراب من القرى العربية من أجل البحث عن مكان للدفن، ولم يخف عليَّ أن جودت شعر بالارتياب قليلا، وحفرنا ودفنا في عدة مواقع وحينما أدرك جودت بأني لا أحسن نقش الرموز تولى الأمر بنفسه، وعدنا ولم يظهر أي أثر لا للغراب ولا لجوهر حيًا أو ميتًا، وعدنا بسلام.

في صباح الخميس خرجتُ من خيمتي وكان سالم في انتظاري، بالأمس بذلت جهدا لأتملص منه ومن أسئلته الفضولية، وقبل صباح الخير سألني عن جوهر ونعمة، فأخبرته بأنهما هربا، فسألني "إلى أين؟" أسئلة هذا الأبله لا نهاية لها ويعتقد أننى العارف بكل شيء، لم أخبره بأن نعمة دُفن بجوار الذهب، ولو علم سيحزن عليه كثيرا مما سيتسبب في إفساد طقوسي اليومية، أمَّا عن جوهر فلا أعرف عن مصيره شيئًا؛ فالغراب لم يعد ليزف لنا نتيجة المطاردة.

حملتُ قهوة جودت إلى خيمته، ووجدت الغراب جالسًا بالقرب من رفيقه ولم أستطع سؤاله إن أغمض عيني جوهر أم تركه مع الكثير من الحكايات ليرويها، لم أر على الأفندي أية علامات تشير إلى قلقه من هرب أحد ليفضح مكان القافلة، وما كانت هناك طريقه لأسأل عن مصير جوهر، ولا داعي لقلقي؛ فهو رافق قافلة الغجرية ولا يعرف مكان ذهبي، لا يشغلني ما دفنته فاطمة من كنوز ولا أفكر في البحث عنها، سأكتفي بالذهب وأترك لهم آثارهم الغبية التي لم أصنفها لأعرف قيمتها الحقيقية، بالرغم ممَّا سمعته عن عشرات تماثيل الذهب والفضة، ولكن القناعة كنز لا يفنى، كما أني لا أعرف طريقة لمعرفة أماكن كنوز فاطمة...لمعتْ في رأسي فكرة جهنمية تساعدني على معرفة كل أماكن الدفائن؛ أبو إيليا...نعم أبو إيليا نقش الرموز وبإمكانه أن يعطيني إياها، وإن كانت ذاكرته جيدة سيخبرني عن المسافة الفاصلة بين مواقع الدفن ومكان نقش الرموز، وهذا سيكون كافيا لأحدد مواقع الدفن بدقة.

لن أصبر على لقاء نعناعة، فلم أرها منذ يومين، وذهبتُ إلى خيمتها، ولجتها فجأة ولم أشعر بأن هناك داعيًا لاستئذان، وما كان يهمني كونها عارية أو تحت المسخ الذي كان مستلقيا على فراشه متكأ على سرج حصان شارد الذهن، لقد كانت نعناعتي نائمة على فراشها تنضح عرقا، جلست على طرف فراش وأدرت لها ظهري وخاطبت الكعب:

- صباح الخير سيدي طبرق.

دون أن يلتفت:

- أهلا.

سألته إن كان بحاجة إلى شيء، فقال:

- لا سأذهبُ الآن، وأنت اعتن بنيروز، يبدو أنها مريضة، وحين تفيق أعد لها الإفطار.

خرج وما كان شيء ليسعدني أكثر من الاعتناء بحبيبة القلب، وكان لابد أن أتفحص حرارتها، تفحصت كل جزء من جسدها وصلت إليه يدي، وكنت حريصا على ألا تستيقظ ولمَّا ارتفعت حرارتي غمستُ خرقةً في ماء بارد لأخفض حرارتي وحرارتها، وضعتُ الخرقة الباردة على جبينها، وأثارني الشق الظاهر بين نهديها وأشعل ناري وكان لابد أن أتحسس هذا المكان لأتفحص حرارته أيضًا، وأفاقت فجأة وسألتني عمَّا أفعل فلوحتُ لها بالخرقة وأخبرتها بأني أسعى لخفض حرارتها فشكرتني وأخبرتني أنها لا تشعر بمرض، وإنما تعرقت بسبب لحاف الصوف.

تركتُها لأعد لها ما تأكله ولمتُ نفسي لأنني لم أخفض حرارتها بكفي دون ماء حتى لا تفيق، وسرني أن الكعب اللعين استطاع أن ينسيها ما شاهدته من بشاعة إعدام أحمد الكبير، وتساءلت إن كان أخبرها أنه قادر على بعثه من جديد؛ هذه الساذجة تصدق كلَّ ما يخبرها به...لم أعد طعامها حتى لحقتْ بي، وسرني ذلك فأخرجت عرشي لتجلس عليه ملكتي، وقبل أن تمس يداها الطعام انضم إلينا السيد حيان الجبان الذي أقسم أن يجبر يعقوب على دفع ثمن ما فعله بي ولم يقتله، وغاظني أنها لم ترفع عينيها عنه، هذه الحقيرة بحاجة لمن يعلمها ألا تنظر إلى أحد سواي.

شاركنا الطعام ولم أجد طريقة لطرده، وشعرت بإصراره على سرقتها مني مثلما سرق روهان بيك، وحقيقة لم يكن هناك داعٍ ليبذل جهدا فقد قدمت نفسها إليه منذ أيام، تجاهلني الاثنان ولم يتوقفا عن الثرثرة، ونظراتهما المُتبادَلة كانت كالحراب تُغرس في قلبي ولم يكن هناك ما أفعله لأمنع هذا الانسجام القاتل لمشاعري، وفات الأوان على بصقي في الطعام لأفرغ غضبي.

لستُ بحاجة لأكون مُنجِّمًا لأعرف أن جمال الدين سيطل علينا؛ فرائحة نيروز تجذبه، جاء ولم أستاء من حضوره؛ فهو اليوم بناظري بطل، قام بما لم يقم به الحقيران؛ حيان والكعب، قتل يعقوب، وعند تأكدي من كونه القاتل الحقيقي سأكافئه بالكثير من السجائر لحين إقناع الكعب بقتله، جلس وعيناه الوقحتان زارتا نهدي نيروز، ولمًّا لم يرق وجوده لحيان استأذن وتركنا، وامتعضت الجميلة لفراقه وهمَّتْ بالانصراف إلا أنه أمسك يدها في وقاحة وقال:

- لِمَ العجلة؟

لم يبدر منها ردة فعل، سحبت يدها في هدوء وتركتنا، وتمالكت نفسي حتى لا أفقأ عينيه وأقطع لسانه الذي لم يتوقف عن التغزل في عجيزتها، وبعدما غابتْ سألني عمَّا حدث لنعمة وجوهر فقلتُ له: لقد سرقا جرة ذهب وهربا. فقال:

- لن يبتعدا كثيرا وسيمسكون بهما ويقتلونهما.

وحاولت إغاظته وقلت:

- بل نجحا في الهرب ولن يمسك بهما أحد.

فضحك وقال:

- شرق النهر ليس كغربه وهناك مئات السرخفية.

وسألته:

- متى تخطط للهرب يا جمال الدين؟

فأجابني:

- ازدادت الأمور تعقيدا وتضاعفت الحراسة على ضفتي النهر.

فسألته:

- وكيف تعرف ذلك وأنا لا أرى شيئا قد تغير سوى وجود المسلحين؟

فقال:

- علمتُ أن الحراسة منذ الأمس تضاعفت، وخيم رجال شكيب بالقرب منا.

فقلت:

- إذًا كان من الحماقة أن تقتل يعقوب.

رمقني بنظرة استغراب وقال:

ولماذا تعتقد أنى قتلته وما مصلحتي في ذلك؟!

- كان وجوده بجوار جودت يعوق سرقة كمية كبيرة من الذهب.

وقال بلا مبالاة وكأننا نتحدث عن إعداد الإفطار:

- لست أحمقًا لأقتله وأثير كلَّ هذه الضجة، والحصول على الذهب ليس بالأمر الصعب في غيابهما عنه كل يوم، أردتُ فقط أن تساعدني في سرقة كمية منه دون أن يشعرا بذلك حتى لا يسخِّرا كل قدرات الجيش لمطاردتنا.

لم يتوقف عن الثرثرة وربما استطاع أن يقنعني بألا علاقة له بموت يعقوب وأن قتله كان ضد مصالحه...لم يكشف عن نواياه الحقيقية في حاجته لحيان والعرب خلال مخطط هربه السابق، إلا أني لمحتُ بين ثنايا كلامه خطة جهنمية تستوجب ضحايا ليخفي آثار مُخططه، وصدق حيان في قوله: "إن مثله ليس أهلاً للثقة" وفي نهاية حديثنا علمتُ أنه قد أجَّل مخطط هربه لحين ارتحالنا عن هذا المكان أو مواتاة الظرف المناسب، وبذل جهده لإقناعي بمساعدته في بدء سرقة كميات من الذهب وإخفائها شريطة ألا يشعر جودت بذلك، ولم يكن أمامي إلا أن أجاريه لحين إيجاد طريقة للخلاص منه، ولن يكون ذلك صعبًا وفي مملكتي قرد الـ"قاقا باقا" إذا عرف أنه أمسك يد عشيقتنا لن يرحمه.

انزاح عني جمال وبدأ الكل يطاردني بحثًا عن أخبار، ويبدو أن الأمور تشابكت واختلطت معها صورتي، وما عاد أحد يريد أن يرى في السانتور علاقة بأصحاب القرار، جعلتهم يشعرون بأني مصدر للأخبار، تبا لهم جميعا! لم يستمر حزنهم على أحمد الكبير يوما، وها هم يبحثون عن حزن جديد، وسؤالهم عن نعمة وجوهر أزعجني قليلا، حرصتُ على كوني أبلها فعلا وقولا منذ رواية سانتور إلا أني استمتعت كثيرا بدور الرجل الذي يعرف كل شيء؛ أخبرتهم بأنهما قد هربا وسرقا جرة ذهب كاملة، وقلت سرًا "هيَّا اسرقوا واهربوا أنتم أيضًا" وأمضيتُ بقية النهار في تحليل الأحداث والبحث عن قاتل يعقوب الحقيقي بعدما تبين أنه لم يُقتل على يد أحد من الأنذال الثلاث، ولم يتبق سوى الشرس الوحيد الذي يمتلك قدرة جسدية تمكنه من السيطرة على يعقوب وقتله؛ إنه الزنجي الأسود حارس فاطمة بيَّض الله وجهه إن كان قاتله.

<<< نهاية الحلقة 48>>>



© 2023 by JarretDahab