جرة ذهب - الحلقة السادسة والأربعون

#جرة_ذهب_الحلقة_46

شاع خبر ما حدث معي بين أفراد عشيرة المخيم، ووجدت الكثير من التعاطف، وجاءني أبو إيليا يحمل مرهمًا وساعدني على دهن آثار السوط على ظهري، وكأنه دهان سحري؛ فما هي إلا دقائق معدودة حتى ذهب الألم عني، شكرته كثيرا وأخبرته أني مدين له بالكثير، فقال:

- لا تشكرني، واشكر من أعدَّ لك هذا العلاج، فأنا لم أفعل شيئًا سوى أني جلبته لك.

بالغتُ في إلحاحي كي يخبرني بمَنْ أدين له بالفضل، ولكنه أبى بِناءً على طلب مَنْ أرسله، وهنا تساءلت:

- مَنْ يجيد إعداد مثل هذا العلاج في مخيمنا؟ ولماذا حرص ألا أعرف حتى لا أشكره ولولاه لالتهبت جروحي؟!

توجهت للاطمئنان على نعناعتي ووجدت الكعب ولم أجدها، وطلب مني مجالسته وأخذ يسألني عمَّا دار من حديث بيني وبين يعقوب في المغارة وفكرت أن أختلق بعض القصص لأحرضه عليه، فعلت ولكن لم أشعر بأن أكاذيبي تركت فيه أثرًا، واستفزني ذلك وقفزت الكلمات فوق لساني وقلت:

- قال إنه سيهتم بأمر نيروز.

وحينما ذكرت اسمها جحظت عيناه، وشعرت أني أصبت الوتر الحساس فسألني:

- ماذا قال؟ أخبرني حديثًا مُفصَّلاً.

فاختلقت له من الكلام ما دفعه ليصك على أسنانه ويقسم أن يعقوب سيدفع الثمن غاليا، تركته وانصرفت، وفرغ اليوم من أية أحداث باستثناء تنظيف خيمة جودت للمرة الألف استعدادًا لقدوم جمال باشا الذي طال انتظاره.

انقضى الاثنين واشرقت شمس الثلاثاء، 20 تشرين الأول، وحينما استيقظت استعذت بالله من هذا اليوم، الكثير من المآسي رافقت أياما أخرى، إلا أن هذا اليوم ستبقى له رمزية خاصة تبشر بقدوم مصيبة ما، أتممت مهامي وجلست مع سالم وشيخة وأحمد الكبير في بقعة مشمسة لتبادل الحديث واحتساء الشاي واشتمام رائحة القهوة، ورأيت جودت قادما نحوي تفوح منه رائحة الثلاثاء اللعين فهوى قلبي.

كان يسير على غير هدى وخطواته تدل على ضياع وحيرة عيناه تبحث عن شيء، وفور رؤيتي لوح بيده مرارا وتكرارا فأسرعت إليه وقال لي:

- تعال تعال اتبعني بسرعة.

أربكني التوتر الذي اعتراه، وسرتُ خلفه، وكانت قبضتيه مشدودتين وأقدامه تضرب الأرض بقوة وتنشر خلفها الغبار، وصلنا إلى خيمته وجلس على أحد صناديق الذهب، وترك مقاعد أكثر راحة لمؤخرته المرفهة، وأخذ يضرب بقبضته على كفه، وتغير لون بشرته وأطل من عينيه بركان يقذف حمما، يصك على أسنانه، يغمغم، تنحشر الكلمات في حلقه، ويعود ليبتلعها، يقف ويجلس، يضرب فخذه بكفه، يمسح وجهه، يفرك رأسه، يمسك أذنه يشبك أصابعه خلف عنقه، ويشد عليه، يغمض عينيه ويفتحها، يخفي وجهه بكفه وينظر من بين أصابعه، يقف ويخطو عدة خطوات، يركل أحد المقاعد بقدمه، يجلس يهز ساقه ويعود يضرب بقبضته على فخذه، أراقب كل ذرة في جسده وهي تهتز، أصابني بتوتر شديد، وبدأت أرتجف خشية أن يكون قد اكتشف شيئا بشأني، لم أبصق في طعامه ليكتشف ذلك، ولكن ربما أقنعه يعقوب بأني جاسوس خطير، أو تعرض لسرقة جديدة، وربما استطاع أن يحصي كمية الذهب التي كانت بحوزته، وكان المفقود أكبر من قدرته على استيعابها، مازال ينظر إليّ ولا أجد تفسيرا، وبدأت أشك في أن الحقير جمال الدين قد كشف سري وفضحني، فأدرك أن عزيزًا الأبله خدعه، ويلي إن كان ذلك!

هذا الناعم لم أره بهذا التوتر من قبل، ولابد أن كارثة قد وقعت على رأسه، أصابني بالدوار؛ فهو لا يتوقف عن الحراك، وفاجأني وكدت أتبول في ثيابي حينما أخرج المسدس من خلف ظهره وأحكم عليه قبضته وكأنه يخشى أن يفلت من يده، وأخذ يدمدم ويصرخ في وجهي:

- سأقتلهم، سأقتلهم جميعا...لن أرحم أحدًا!

وصاحبت الكلمات دموع ترقرقت في عينيه، كلماته ودموعه أعادت إليَّ القليل من الطمأنينة...قال "سأقتلهم" ولم يقل "سأقتلكم أو سأقتلك" لن يهمني إن قتل الجميع وترك لي نعناعة، جميعهم لصوص يستحقون الموت، وهنا تأكدت أنه اكتشف الكمية الحقيقية للذهب المفقود، ولكن عندما بدأ يبكي كالأطفال راودني الشك في أنه يبكي من أجل أمر آخر ولم يكن الذهب ليبكيه هكذا، تمتم وسألني:

- ماذا أفعل يا عزيز؟

ملأتْ الدموع عينيه ولم يعد قادرا على منعها حتى سالتْ على خديه، وقال: "ماذا أفعل يا عزيز؟" أدخلني هذا في حيرة؛ هل جُنَّ جودت ليسألني مثل هذا السؤال! أنا سانتور الأبله سأخبره ماذا يفعل! كان واضحًا أنه بحاجة ليتحدث، وأن سرًا غامضًا قد أقلق مضجعه ولم يجد غيري ليحدثه، وكنت حريصا على التزام الصمت، ففي مثل هذا الموقف قد تتسبب الأجوبة الغبية السانتورية في انفلات رصاصة بدلاً من ابتسامة، وعاد يلوح بالمسدس في وجهي وقال:

- أقسم لأطلقن النار عليهم واحدا واحدا ولن أستثني أحدا.

قلتُ سرًا: ابعد المسدس عن وجهي واذهب واقتلهم جميعا، وتذكرت المثل القائل: إن السلاح بيد الجبان قاتل، وإن استمر في تلويحه ستنفلت رصاصة حماسية تزور رأسي قبل رؤوس مَنْ يهدد بقتلهم، في مثل هذا الموقف لم أجد إلا الصمت والدعاء ليهدأ قليلا، وحين هدأ تنفست الصعداء ولكنه عاد يركل المقاعد والصناديق، يتمتم ويدمدم وتنحشر الكلمات في حلقه ولا تخرج واضحة وقال:

- عزيز، أيعقل أن يكون الشيخ طبرق مَنْ فعلها؟

كم كنت أود أن أقول: نعم هو فعلها، وأتركه يذهب ويطلق الرصاص على رأسه وأتخلص منه ومن الـ "قاقا باقا" إلى الأبد، ولكني مازلت أجهل قصده؛ أيقصد سرقة ذهب أم أمر آخر؟ كما أني مدين للكعب بإنقاذ حياتي، ويمكن أن أتجاهل هذا الدين، لست مدينا لأحد، الله وحده بيده الموت والحياة، وقدري أنا أن أصبح ثريا وأغرق في الذهب لهذا لم أمت ولن أموت قبل ذلك، ولكن صورة نعناعتي تمثل أمام عيني، إن قُتل الكعب مَنْ سيحميها؟ وأنا أحتاج لمن يحمي مؤخرتي من يعقوب.

- عزمتُ أن أترك صمتي وسألته:

- ماذا حدث يا سيدي؟

رفع رأسه وانهمرت الدموع من عينيه وقال:

- ابن خالتي يا عزيز ابن خالتي.

لم أفهم القصد من وراء قوله المبتور، ومَنْ ابن خالته؟ وماذا حدث؟ ودموعه تشير إلى أن مكروها قد أصاب ابن خالته، لابد أن أكون ذا نفع مادام اختارني ليبكي أمامي، فسألته في حذر شديد:

- وماذا حدث لابن خالتك يا سيدي؟

انتحب كالنساء، وقال:

- قتلوه يا عزيز قتلوه.

حدثتُ نفسي:

- إن شاء الله ستلحق به سريعا ومعك ويعقوب وفاطمة وبقية عائلتك ولكن ارحمني وأخبرني، مَنْ يكون الخنزير الذي قتلوه ليفرح قلبي؟

لم أجد ما أتلفظ به سوى "رحمة الله عليه ولعنة الله على العرب" ولم أصطنع الغباء في قولي بل كان أحد أجوبتي الغبية التي تقفز رغما عني في عفوية، فرمقني بنظرة حادة وقال:

- ولماذا تعتقد أن العرب قتلوه؟

لم أجد جوابا يليق بهذا الغموض، فكرر سؤاله وأجبته:

- لأن العرب يكرهوننا نحن الأتراك.

مسح دموع النساء ورفع كتفيه وشد ظهره للخلف، وملأ رئتيه بالهواء واستعد كفارس في طريقه للمعركة وقال:

- تعال معي.

سرتُ أتبعه حتى دخل خيمة يعقوب، واعتقدت أنه ينوي إيقاظه ليرافقه ويساعده في قتل الجميع، وحينما دخلت الخيمة رأيته نائما في فراشه غارقا في دمائه.

لم أصدق ما أرى، فتحت عيني وأغلقتها مرات، وأغلقتها طويلاً وخفت أن أفتحها ويتلاشى الحلم الجميل، وحينما أيقنتُ بأني لستُ حالمًا تمالكت نفسي من الصراخ بأعلى صوتي "الخنزير مات الخنزير مات" انفعلت وصرخت وأخذت أهذي سرًا ولغة جسدي كادت تفضحني، أردت أن أركع وأقبل الأرض، يا لسعادتي وفرحتي! يعقوب غارق في دمائه، لفظ روحه النجسة، لن أعد قهوته ولا طعامه ولن أنظف خيمته بعد اليوم، أقسم لأخصص جرة كاملة من الذهب لغاية الدعاء ليصطلي نار جهنم، ولعنه مع كل عائلته وأقاربه وجيرانه والمدينة التي يسكنها، لا جرة واحدة لا تكفي، لأخصصنَّ ثلاث جرار.

أشك في أن صديقي العظيم طبرق قد قتله انتقاما لما فعله بي، نعم لا يجوز الاعتداء على رجال الـ "قاقا باقا" سلمت يداك يا صديقي، وربما حيان الرجل الشهم الشجاع انتقم لي وقتله، أقسم -إن فعلها حقًا- لأعطينه جرة ذهب كبيرة... كنت أهذي وأهذي سرًا، وجودت المفجوع المصدوم لا أشك في أنه أحضرني فقط لكي يأنس بوجود أحد لن يطعنه من الخلف، ولم يكن هناك ما أفعله سوى التصنم مكاني والهذيان سرًا.

عبق الثلاثاء برائحة الموت والدماء، نظرات سريعة، تفحصتُ الجثة وما يحيط بها؛ طعنةُ خنجر في صدر يعقوب، وكانت إحدى الوسادات بعيدة قليلا وعلي طرفها آثار دماء، فمَنْ غرس الخنجر في صدره حرص على أن يكتم صرخة الموت الأخيرة في حنجرته، إن القاتل يمتلك جرأة وقوة جسدية، وثلاثة فقط يستطيعون ذلك في هذه القافلة الملعونة، ولكلٍّ منهم سببه؛ الأول جمال الدين وقد أخبرته أن من المُحال سرقة الذهب في وجود يعقوب، والثاني الكعب وقد زرعت في رأسه أن يعقوب هدَّد بدفنه في قبر من ذهب، وأنه لسَّن على حبيبته، وهذا سبب كاف ليقتله، والثالث حيان وعلاقته بفاطمة وما قد يحدث إن أبلغ يعقوب الباشا بأمرهما عند حضوره، وهذا سبب كاف ليقتله إن لم يكن الانتقام لي.

لم أكن لأصرح بشيء من هذا وأنا السانتور، فأخذت أراقب جودت أفندي وهو يتعثر في خطواته، يبعد عينيه عن الجثة، يغضب ويهدأ، يبكي وينوح، يهدد ويتوعد، ويتشنج كلما مس حذاءَه الدمُ الذي سال وأغرق الأبسطة المفروشة، لم يملك الجرأة على ملامسة جسد قريبه، وانتفض فجأة وطلب مني حراسة الخيمة وعدم السماح لأحد بالاقتراب، وخرج مسرعا وتركني برفقة يعقوب، لم أرَ وجهته ولكن صهيل نجمة دلَّ على أنه امتطاها لجهةٍ مجهولة.

ارتسمت على شفتي ابتسامة وأنا أقف فوق رأس الخنزير، وبدأتُ أحدث نفسي: لم أكن أمتلك الجُرأة لأقف بجوار جثة قتيل قبل أسابيع؟! وها أنا أقف فوق جثة يعقوب! هل يعقل أن الأيام القليلة التي رافقت فيها القافلة الملعونة حولتني إلى ما أنا عليه! رميته بنظرة وكدت أبصق على وجهه، ولكني ارتعبت خوفًا من عودته إلى الحياة فجأة فيعريني من ملابسي ويبدأ بجلدي مجددا، خرجت مسرعا وأسدلت غطاء الخيمة، ووقفت مثل عسكري منضبط، وسمعت صوت طبيلة ينادي:

- عذيز عذيز.

أحضرته ليحرس الخيمة معي، وسيطر على خيالي ذلك الإذلال الذي تعرضت له في المغارة، وتذكرت المشهد الذي وقف فيه يعقوب وأخذ يرمق روهان بيك بنظرات احتقار عندما رفض أن يرافق المصابين، اشتعلت غضبا واستجمعت شجاعتي وعدت إليه، ووقفت فوق رأسه وسألته:

- أين روهان بيك يا يعقوب؟ هل اتهمته بأنه جاسوس وقتلته أيها الحقير؟

- ماذا فعلت بروهان أيها الكلب الجبان؟ هيا تكلم قبل أن أصفعك على وجهك.

لم يرد عليَّ فصفعته على وجهه، ووجدت متعة في ذلك فصفعته مجددا، وخلعت حذائي بحذر وضربته على رأسه، هذا الجبان النذل لا يجرؤ على رد الإهانة، قلت له:

- قم أيها الخسيس وواجهني إن كنت تمتلك ذرة كرامة واحدة.

بصقتُ على وجهه مرات واستمتعت بذلك حتى قفز إلى عقلي ما قاله روهان يوما (حينما تبصق على أحد تذكر أن البصاق يخرج من بين شفتيك)، لقد كان مُحقًا، ولكنه قال أيضا إنه يرغب في دفع نصف عمره ليتبول في طربوش السلطان، وأنا لن أغرم شيئا إن تبولت في فم يعقوب، واجتاحتني رغبة في أن أخلع بنطالي وأفتح فمه وأبول فيه، ولم أجد الجرأة لأفعلها، هذا الحقير مازال يثير بداخلي الخوف حتى وهو جثة هامدة.

خرجت من الخيمة قبل أن تدب فيه الحياة، ووقفت أفكر لمن أدين بهذا الفضل؟ للكعب أم لحيان؟ وخطر ببالي أن أحذر حيان إن كان هو القاتل قبل عودة جودت، ولكني خشيتُ عودته فجأة ففضلت البقاء أمام الخيمة، ولم أمنع نفسي من إدخال رأسي بين الحين والآخر لأتفحص الجثة في فضول وأتساءل: كيف تحول هذا المغرور الذي عراني وشوه ظهري بسوطه إلى جثة هامدة في لحظات.

وقفت أحرس الحقير والابتسامة لا تفارقني، قلبي يدق وروحي ترقص وتفيض عيناي بهجة، واقترب مني أبو إيليا وسألني إن كان يعقوب مستيقظا لأنه بحاجة لمحادثته، أشفقت على هذا الرجل الذي يسعى منذ أيام للانفراد بأحد الكبار لإقناعهم بضرورة نقل ابنه إلى أحد الأطباء، فقلت له:

- عمي أبو إيليا يعقوب لن يستيقظ أبدا أبدا، وأنصحك أن تبتعد أقصى مسافة ممكنة من هذا المكان.

فرد علي:

- أرجوك يا ابني، اسأله إن كان بإمكاني أن أتحدث معه؟

فقلت:

- وأنا أرجوك أن تبتعد عن هذا المكان.

استاء أبو إيليا من أسلوبي واعتقد أني أسخر منه ولم آبه، فساعات وسيكتشف الأسباب وراء ما قمت به، مرت ساعة وأكثر ولم يعد جودت، وطبيلة جائع وإن لم يأكل سيثير الفوضى، تركته واقفا وأسرعت لأحضر له الطعام، وحينما عدت وجدته قد اقتحم خيمة جودت بعد أن جذبته روائح اللحم المقدد التي تفوح من الصناديق، هذا الطبيلة الذي يشتم رائحة الطعام، لم يكن باليسير إخراجه فهذا اليوم ليس مناسبًا لسرقة شيء، وحقيقةً هو أكثر الأيام مناسبةً لسرقة الكثير من الذهب، ولن يفطن لهذا سوى قاتل يعقوب.

عدنا لحراسة الجثة وجاءني أحمد شيخة وأخبرني بأن الشيخ طبرق يطلب ذهابي إليه، فقلت له:

- اذهب وأخبره أني مشغول مع يعقوب في أمر هام جدا وسأوافيه بعد

فراغي.

شعرت بالزهو لما نطقت به، وجاءني أحد خدم فاطمة يسأل عن يعقوب، فأخبرته أن يعود ليخبر سيدته بأن يعقوب مشغول في اجتماع هام مع عزيز أفندي، ولا وقت لديه ليهدره مع أحد، وقبل أن ينصرف الخادم ناديت عليه ورجوته ألا يخبرها بالرسالة، وأن يكتفي فقط بإخبارها أن يعقوب نائم وسأبلغ رسالتها بعد استيقاظه.

لم تمر دقائق حتى عاد نفس الخادم وأبلغني بأن أوقظ يعقوب وأبلغه بأن يذهب إلى فاطمة توًا، وددتُ أن أخبره أن يبلغ سيدته بأن تحضر بنفسها لإيقاظه، وأنقذني جودت حينما أطل بصحبة اثنين من الفرق الخاصة، صرف الخادم وأوقف أحدهما على باب الخيمة، وطلب من الآخر أن يتبعه، وأوقفه على باب خيمته ليحرسه، وطلب مني إعداد قهوته سريعا وفعلت، وبدأ يشعل السيجارة تلو الأخرى، ولم ينطق بكلمة حتى حضر الدليل كاظم، وفور رؤيته قال له:

- قتلوه يا كاظم قتلوه.

ودار بينهما حديث فحواه: إنه أرسل مَنْ يبلغ شكيب بالأمر، وعزم الاثنان على التزام الصمت لحين حضوره، وبعد ثلاث ساعات اقتحم علينا شكيب الخيمة وكنت حينها أتربع على الأرض بجوار جودت كما اعتاد الخدم أن يفعلوا بحضره السادة، ولم يكترث أحد لوجودي، وسأل شكيب وهو يلهث:

- أين هو؟

وأشار جودت بيده وذهب شكيب وكاظم إلى خيمة يعقوب، مرت دقائق وعاد شكيب وتعانق الاثنان وبكيا معا، وهنا أدركت أن علاقة عائلية تربطهم معا بالرغم من أن الألماني أزرق العينين لا يشبه الاثنين في شيء، عاد كاظم وانضم إليهما ليتباحثوا معا، وبدأ جودت المفجوع يروي لهم كيف اكتشف جثة يعقوب، ولم يبقَ إلا أن يخبرهم بأن وحيا هبط إليه وقال: "اذهب يا جودت وتفقد قريبك يعقوب لقد أصابه مكروه" تعذبت واختنقت وشعرت بألم في صدري لإخفاء شماتتي وفرحتي عن الجميع، هذه القافلة الملعونة حولتني لشخص يفرحه الموت، وهنا نطق اليوزباشي شكيب وقال:

- سنفتش الجميع بحثا عن أثر يقودنا إلى القاتل ولن نستثني أحدا.

اقترح كاظم كتم الخبر حتى يمنحوه القليل من الوقت لعله يستطيع أن يقص الأثر، احتسوا ما أعددت من قهوة وطلب مني أن أعد المزيد، خرجت وأخذت أهز جسدي وأغني سرًا "يعقوب مات. أبو سعد مات..."، وفي الوقت نفسه شعرت بالقلق وكنت حائرا بما يتوجب عليَّ فعله، هذا الثلاثاء حمل لي السعادة، ولكن التفتيش سيقلب الأمور رأسا على عقب، ولن تعود الأمور إلى سابق عهدها، جمال الدين يخفي مسدسا، وحيان يخفي مدية، والكعب يخفي سرا في خيمته، وسالم يخفي ذهبا، ونعمة كذلك الأمر، وأنا أخفى مذكرات البيك والذهب الذي وجدته بالجُحر، والله وحده يعلم ماذا يخفي الآخرون، وإن اكتشفوا كل هذا ستنقلب حياتنا جحيمًا، ماذا أفعل ومَنْ أحذر وكيف؟!

انتهزت أول فرصة وأسرعت إلى حيان وقلت له أن يخفي مديته وقبل رحيلي رأيت على طرف بنطاله آثار دماء، ارتعبت وقلت له:

- أخفِ آثار الدم أيها الأحمق سيكتشفون أمرك سريعا.

<<<<<<<<<<<<نهاية الحلقة 46>>>>>>>>>>>




© 2023 by JarretDahab