جرة ذهب - الحلقة الثانية والأربعون

#جرة_ذهب_الحلقة_42

اكتفى حيان بما احتساه من عرق، ولكني كنت بارعا في تشجيعه ليحتسي المزيد، ولم تكن بداية حديثنا سارة؛ لقد تحدث عن روهان وبكى وأبكاني، واكتشفت كم كان يحبه، وامتعضت كثيرا عندما شبَّه روهان بجده العربي، فلا يجوز إهانةَ البيك بتشبيهه بالعرب، ولكني تغاضيتُ عن توبيخه حتى لا أفسدَ خططي، ثم انتقلنا إلى فاطمة، واستمر حديثه لساعات، لم يغفل أي تفصيل؛ تحدث عن طعامه وشرابه وكيف كان لقائه بالغجرية، أدخلني في أجواء من الإثارة، وانتقل إلى أجواء الموت وعاد إلى الطعام والشراب، طريقته في سرد الأحداث كانت مُمِلَّة جدًا، وقصته مشوقة، ذاكرته لا بأس بها، ولكن ثمالته أفقدته بعض تركيزه فتركتُ لذاكرتي تجميع الصور والمشاهد والأجزاء المبعثرة بناءً على ما سمعته من الملط وجوهر والآخرين، وكنت أساعده في وصف الأشخاص وأسمائهم إذا اختلطت عليه الأمور، وعندما كان يقطع المشهد وينتقل إلى آخر كنت قادرا على إعادته إلى المشهد الذي اقتطعه، كان يقفز من غروب يوم إلى غروب آخر، وكنت أعيده إلى الفجر وأوصله بالظهيرة، وصف لي الوشم الذي تحت سُرَّتها، وأخبرني بالأحرف التي وشمتها على فخذها، ونسي وصف الوشم الذي على رقبتها فذكّرته به، وذهل وسألني:

- كيف؟ هل أخبرتك أنا بذلك؟

آلاف التفاصيل والأحداث التي أغرقني بها هو وغيره استطعتُ أن أعيد ترتيبها، كان يرى الصورة من وجهة نظره فقط، وكنتُ أزيد عليها رؤيتها من خلال عيون الآخرين بما رووه طيلة الأيام الماضية، ارتخت جفونه وغفى وهو ما زال يثرثر، وكنت على ثقة أنه إذا تذكر ما أخبرني به في الصباح سيحنق عليَّ إلى يوم القيامة، تركته لينام وما عاد في جعبته شيئًا لا أعرفه.

حملتُ معي ما تبقى من زجاجةِ العرق لعلي أستفيد من مقايضتها معه، أو مع غيره بأمر يعود عليّ بالفائدة، وعدتُ إلى خيمتي وغرقت في حب فاطمة التي لا يأتيها النوم إلا بعد أن تحضن أحد التماثيل الذهبية التي تحتفظ بها في خيمتها وأخذت أفكر في طريقة لأدفعها لتربطني بسلسلة وتتركني أنام في أحضانها قليلا.

هذه المهووسة التي أمرت حارسها الزنجي أن يذهب ويطلق النار على رأس حيان أمام الجميع ليكون عبرة لكل من سيجترأ عليها، أو ويتواقح معها، ودقيقة واحدة فصلت بين وصول الزنجي لتنفيذ الأمر ولحاقها به لتشير إليه أن يعود وتطلب من حيان أن يساعدها لتترجل عن حصانها وتقع في حبه.

حيان كان عنيدًا جريئًا وما كان يكترث لعواقب الأمور وما كان لينحني لبندقية مصوبة نحو رأسه، وفاطمة المتعجرفة ترتدي ملابس العسكر واعتادت على إخفاء وجهها الأنثوي وإصدار أوامرها في خشونة الرجال وجفاء القادة، كانت حريصة كل الوقت على مراقبة الكنوز التي حملتها على الجمال والبغال، وما كانت تسمح لأحد أن يغيب عن ناظريها، وبرشاقة غزال كانت تنتقل من مقدمة القافلة إلى مؤخرتها، وخلفها حارسها الزنجي لمراقبة كل شيء، وكانت الطاعة العمياء سمة الجميع حتى يعقوب كان مطيعا لها، ينادونها بـ "الباشا" ولم يخف على أحد أنها امرأة.

غرور حيان وكبريائه جذب انتباه فاطمة المتعجرفة، وبهرها منذ أن رافقهم، واقترابها الأول منه لم يكن من قبيل الصدفة، ولكنها سعت اليه، توقفت القافلة وبدأ الخدم والعبيد نصب خيمتها، واقتربتْ منه وخاطبته من فوق صهوة حصانها المرقط وقالت:

- أنت يا هذا اذهب وساعدهم في شد حبال الخيمة.

ولمَّا لم ترق له الطريقة التي حدثته بها أدار ظهره لها ثم تولَّى إلى ظل شجرة، ولاحقه صوتها الغاضب:

- أنت...أنت، لا تدر ظهرك لي وأنا أحدثك.

جلس في الظل ورماها بنظرة ساخرة قائلاً:

- اعذريني أيتها الأميرة فلم أراكِ لأسمع صوتك!

تمتمت: وقح! ومدت يدها لجيب سرج الحصان وأخرجت قربة ماء وألقتها على الأرض وقالت:

- هيا يا اذهب واملأها بالماء.

ابتسم حيان وتجاهل النظر إلى القربة، ووقف وقدم لها قربة الماء التي يحملها معه وقال:

- تفضلي يا سيدتي الماء.

- هيا التقط القربة واذهب واملأها يا هذا.

فرد عليها ساخرا:

- اسمي حيان يا سيدتي وبإمكان أحد خدمك أن يملأ لك الماء.

قالت متوترة:

- أريدك أنت.

- يسعدني أن أحضر الماء لسيدة مهذبة في طلبها.

أشارت لحارسها الزنجي فاقترب، وقالت بنبرة صوت لا تخلو من تلميح لتهديد:

- هل ترغب أن أطلب منك هذا بطريقة تليق بوقاحتك؟

اقتراب الزنجي والرسالة التي أرادت فاطمة إيصالها لحيان استفزته فتجاهلها واستدار وعاد إلى مكانه ولحق به الزنجي وأمسك بكتفه والتفت إليها حيان قائلاً:

- مري عبدك هذا أن يبتعد إن رغب أن يعيش يوما آخر.

اقترب المخنث وسألته:

- من أتى بهذا الوقح إلى القافلة؟

فتمتم مالت بعدة كلمات وعلى أثرها هزت رأسها وأشارت للزنجي وانصرفوا جميعًا، رباب المصرية كانت قريبة وراقبتْ كلَّ شيء، ثم اقتربتْ من حيان بحذر وهمست له:

- ما فعلته لن يمر دون ثمن، اهرب وانج بنفسك؛ لن تغفر لك فاطمة ما بدر منك اليوم.

لم تمر ساعة حتى عادت فاطمة مسرعة وكان الزنجي يسبقها إلى حيان أشارت له أن يعود واقتربتْ وبإصبعها أشارت إلى حيان أن يتقدم إليها. وبعناده المعتاد قال من مكانه:

- بماذا يمكنني مساعدتك يا سيدتي؟

فقالت:

- ليس من التهذيب أن تتكلم مع سيدة وأنت جالس.

فقال:

- لم أعتد أن أتحدث مع أحد وهو على صهوة حصانه.

فقالت:

- إذًا تعال وساعدني لأترجل.

تقدم وأمسك برسن الحصان ومد إليها يده، وترجلت وبلهجة هادئة سألته:

- ما العمل الذي كلفوك به في هذه القافلة؟

فأجابها:

- لم يكلفني أحد بشيء، ولست راغبًا في ذلك يا سيدتي.

فقالت:

- إذًا سأكلفك من اليوم بالإعتناء بحصاني.

وتركته وعادت راجلة، ونادى حيان على أحد الخدم وقال له:

- خذ حصان سيدتك واعتنِ به.

مر ذلك النهار بسلام، وبعد منتصف الليل تسلل مالت -مثل القطط- إلى صخرة استلقى أسفلها حيان، لم يكن ينوي له شرا، والطريقة التي تلمس بها جسده ليوقظه خلت من البراءة، وبأسرع من قدرة مالت على استيعاب ما حدث وجد عنقه تحت رحمة ذراعي حيان، حيث قال له:

- ماذا تريد أيها المخنث؟

أرخى حيان قبضته قليلا عن عنقه ليحصل منه على جواب، فقال:

- الباشا يريدك أن تذهب إليه الآن.

اعتقد حيان أن طالبه اليوزباشي يعقوب، ولكن مالت أخبره أن فاطمة هي الباشا الذي يريد حضوره، فضحك وقال مُستهزئًا:

- وماذا تريد مني الباشيه؟

تبع حيان مالت وتوقَّع أنه يقوده إلى كمين، ولم يدرك أن الطرق الملتوية كانت لئلا يراه يعقوب داخلاً خيمتها، اعترض طريقهم حارسها الزنجي وابتعد بإشارة من مالت الذي ترك حيان يدخل الخيمة وحده وعاد ليبحث عن الموقع المناسب الذي سيمكِّنه من التلصص علي حيان وفاطمة فأذهله ما رأى.

لم تكن الخيمة الملكية وما بداخلها هو ما أذهله، وإنما الأندلسية السمراء فائقة الجمال كانت ترتدي ثوبًا من الحرير الأحمر، طرزت عليه ورود ذهبية، مشدودا على جسدها ليبرز ثناياه المُثيرة، ونهداها كانا يجاهدان لتمزيقه والتحرر من قيوده، شعرها الأسود الغجري انسدل على كتفيها، وعدة خصلات منه حاولت أن تخفي الجزء العلوي الذي ظهر من نهديها، عيناها حالكة السوداء، ورموشها...أنفها دقيق وشفاهها ترسم فمًا شبقيًا...أسفل عنقها وشم أفعى تتحرك مع أنفاسها الحارة، جمالها أصاب حيان بالذهول، وعقد لسانه وشعر بأن الثياب التي ارتدتها لاستقباله فيها دعوة صريحة لقضاء ليلة صاخبة شرسة وسره ذلك كثيرا.

ولكن سرعان ما خاب ظنه عندما طلبت منه الجلوس وارتدت عباءة سوداء مطرزة بالذهب، لتخفي ما استقبلته به من جسدها، وأدرك أن ما حدث لم يتعد الاستعراض وأن هذه الليلة ستمر دون أن يتذوق شيئا، واكتفى بأن يترك عينيه تستمتع بما تقع عليه من جمال لم ير مثيلا له من قبل...سمع صوتها وسألته عن اسمه سابقا، ولكنه تفاجأ حينما سألته ثانية:

- ما اسمك؟

الصوت الذي يسمعه كان أنثويا ناعسا ساحرا ونبرة الصوت التي سمعها مُسبقًا كانت جافة حازمة متعجرفة ولا تشابه بين الصوتان...أغلق حيان عينيه لحظة وقرر أن يخرج سريعا من سطوة سحر جمالها، واسترد ما غادره من غرور بابتسامة ساخرة سرقت نصر جمالها وتفوقها عليه وقال:

- ما زال اسمي حيان ولم يتغير منذ الأمس.

ضحكت وقالت:

- وماذا كان يعمل حيان قبل التحاقه بالقافلة؟

- اعذريني عن هذا السؤال فلست معتادا على الكذب.

فقالت بغنج:

- سأغفر لك إن كذبت.

- أنا سائس دواب.

- لا هذه كذبة ساذجة.

- أنا حمال.

- وهذه ساذجة أيضا.

- أنا ملازم أول بالجيش العثماني وقد فررت من الخدمة.

- لماذا هربت من الجيش؟

ضحك وقال: صديقي العجوز روهان أقنعني بذلك.

- فعل خيرا.

- ومن تكونين أنت يا سمو الأميرة.

- أنا ريهان ابنة السلطان

- لا لست ابنة سلطان.

- ألا يليق بي أن أكون ابنة سلطان؟

- الحقيقة أني أرى أنه لا يليق بك أن يكون السلطان والدك.

- وماذا تعتقد أني أكون يا حيان؟

- لا أجد تبريرًا لحسناء ناعمة تضج بالأنوثة كي تكون على رأس قافلة من هذا النوع!

- في خيمتي أنا فاطمة، وعلى صهوة الحصان لابد أن أرتدي خشونة وقسوة الجند، وأنت لن تخبر أحدا بهذا السر، أليس كذلك يا حيان؟

- وإن فعلت ماذا سيحدث يا سمو الأميرة؟

- لن يسرني أن اقطع رأس رجل نبيل، ولن أتردد أن أفعلها إن اضطررت.

- وكيف تعرفين إن كنت نبيلا فعلا؟

ضحكت وقالت:

- أنا فاطمة وأعرف كل شيء والآن أخبرني ما الفكرة التي كونتها عن هذه القافلة.

- مجموعة من المهربين واللصوص اجتمعوا ليخفوا ما نهبوه.

- ربما هذا ما يدل عليه الظاهر، ولكن الحقيقة نحن أصحاب مشروع سينقل هذه البلاد من الجهل والتخلف إلى مستقبل أفضل.

- لم تخبريني باسمك الحقيقي يا أميرة.

- لقد أخبرتك اسمي فاطمة.

- لا اسمك ليس فاطمة.

- ألا يليق بي أن يكون اسمي فاطمة؟

- تليق بك كل الأسماء، ولكن فاطمة ليس اسمك الحقيقي.

- وماذا تعتقد أن يكون؟

- لا أدري، ولكنه ليس فاطمة.

- لأعيش يوما آخر يجب أن يكون اسمي فاطمة.

- وما علاقة الاسم بموتك وحياتك؟

ضحكتْ بأعلى صوتِها وقالتْ:

- سأسألك سؤالاً وإن أجبت عليه بصدق سأخبرك باسمي الحقيقي.

- اسألي.

تخيَّل أنك وقائدك في جولةٍ في أحد الأقاليم العثمانية وصادفتما في طريقكما فتاتين واحدة اسمها فاطمة والثانية فردا وأمرك قائدك أن تختار واحدة لتعتدي عليها وتقتلها، فأي واحدة لن تثقل ضميرك حينما تعتدي عليها وتقتلها؟

- أنا...ما كنت لأقتل أي منهما.

- لا خيار أمامك إمَّا أن تنفذ أو سيقتلك قائدك على الفور ولن تعيش يومًا آخر.

صمت حيان، وبعدها ارتبك واحمرَّتْ وجنتاه وشعر بالاختناق والغضب، وبنبرة صوت مستفزة قال:

- لقد علمتني الحياة أن يومي الأخير كان أمس ولا حاجة لي لأعيش اليوم، ولن أطمع في الغد وعندما يصادفني مثل هذا الموقف يومًا سأقتل قائدي.

- أيها الأحمق العنيد تعال لنصيغ السؤال بطريقة أخرى، قائدك أمر أحد الجنود وليس أنت، من سيختار؟ أجبني بصدق.

- قتل فردا أسهل من قتل فاطمة.

- إذًا ماتت فردا وعاشت فاطمة.

- أسفًا هذا يحدث في كل مكان في العالم، ولكن السؤال، لو حدث هذا الموقف في أوروبا ألن يقتلوا فاطمة لتعيش فردا؟

- ولماذا سيقتلونني أنا؟

- لأنهم سيختارون قتل فاطمة.

- ثق بي سأعيش ولن أموت لا هنا ولا هناك.

- والآن جاء دورك لتخبرينني عن اسمك الحقيقي.

- لقد أخبرتك عن اسمي الحقيقي.

- لا اصدق أن اسمك فاطمة.

وارتسمت على شفتيها بسمة خبيثة وقالت:

- اسمي ڤردا...

<نهاية الحلقة 42>



© 2023 by JarretDahab