جرة ذهب - الحلقة الأربعون

#جرة_ذهب_الحلقة_40

- هل أنت متأكد أن هذا كان رد جودت؟

أصبتُ الهدف؛ فليس من الحكمة أن أثيره ضد جودت الناعم كي أحافظ على توازن القوى في الوقت الحالي، فأجبته:

- نعم جودت قال ذلك وأعتقد أنهما يقصدان طبيلة المسكين بهذا الحديث، أليس كذلك يا سيدي؟

فهز رأسه وقال:

- نعم يقصدان الرجل الضخم طبيلة.

اقتحمتْ نيروز الخيمةَ والنظرات التي رَمَاها بها أوحتْ بأنه يرغب في أن يختلي بها قليلا لينفس عمَّا ملأته به من غضب، تركتهما وانصرفت ودعوت الله ألف مرة ألا يتهور الكعب ويصارح يعقوب بما ادعيته على لسانه، فلو اكتشفا الأمر لن يكتفيا بذبحي بل سيقومان معًا بتعليقي وسلخي حيًا.

تربعت الشمس على قمم الجبال الغربية ونصفُ قمرٍ باهتٍ أطلَّ علينا، وحملنا الجرار واختار الكعب مرافقينا وامتطى جودت ويعقوب جواديهما استعدادا للانطلاق نحو المجهول ولم يكن هناك شيء يمنع بدء رحلتنا، عشر دقائق مرت وتأفف جودت وترجل عن الحصان وضحك يعقوب وتمتم له:

- لم تر شيئًا بعد.

عشر دقائق أخرى وأطلَّت فاطمة تمتطي المرقط وترتدي زي الرجال وشعرها المنسدل يفضح أنوثتها، ومن خلفها سار الملط وعبيدها الثلاث وحارسها الزنجي، وثلاثة بغال أجهل ما تحمله، انطلقنا جميعا وفي طريقنا اقترب الملط مني وهمس:

- (اشتقتلك عزيز)

أشغلت نفسي بسوق الحمار وابتعدت عنه، وكان واضحا أن الكعب الذي تجنب الاقتراب من يعقوب ليجنبه اشتمام رائحته الكريهة لم يرفعْ عينيه عن الملط ولم يتوقف عن حك لحيته، جودت يسير بجوار فاطمة ولم يتوقفا عن تبادل الابتسامات الصفراء كلما التقت عيونهما، ويعقوب يلفت انتباه فاطمة بأننا اقتربنا من حدود المخيم فلملمتْ شعرها وارتدت حطة عربية مرقطة، وتركت فوقها عقالا، وتلثمت، وأخفت كل أثر يدل على أنها امرأة، تجاوزنا حدود المخيم ومررنا بالقرب من كمائن الجند، وبعد نصف ساعة من المسير انفصلنا إلى فريقين، أنا وجودت ومن معنا فريق، وهي ويعقوب ومن معهم فريق آخر ورافقهم أبو إيليا، وقبل ابتعادنا عاد إلينا يعقوب وسأل جودت:

- أين سلاحك؟

فأجابه:

- معي.

ضحك يعقوب وقال له:

- أرني إياه إذًا.

وهنا ابتسم الاثنان ومدَّ يعقوب يده وسحب مسدس أخفاه خلف ظهره وأعطاه لجودت وقال له:

- لا تذهب للتبول دون سلاح ولا تمشِ في هذه البلاد دون حراسة.

وأشار بيده ومن العدم ظهر مسلح رافقنا طيلة الطريق، ولم يرق الكعب كل ما حدث ولا أعرف لِمَ لا يشعر بالراحة في وجود المسلحين! وأولى به أن يشعر بالأمان، وأن يتأقلم مع يعقوب العسكري؛ فهو لا يشبه جودت المدني الذي لم أره يومًا يحمل سلاحًا، ومثل كل مرة اختار الكعب مواقع الدفن وحفرنا ودفنا الذهب ورسم جودت خرائطه وطلب من نعمه أن ينقش على صخرة بالإزميل وكان واضحًا أنه يحتاج فقط إلى علامة، وأبدع نعمه في تكسير الصخرة ورض أحد أصابعه...أما المسلح الذي رافقنا فلم يسمح له بالاقتراب من مواقع الدفن وبعدما انتهينا عدنا إلى المخيم.

صباح الاثنين لم يكنْ ثقيلاً، ولم يعد هناك ما أقوم به سوى الجلوس على العرش لممارسة طقوسي الخاصة والاستمتاع بدفء الشمس ونعناعتي بعد ليلةٍ باردةٍ، لقد أفاقت على غير عادتها وانضمت إليَّ مع سالم وحارسي طبيلة الذي بدأ يرقص ويلوح بالسيف الخشبي وكاد يقتلع عيني، ولم يتوقف عن ترديد اسمها "ننوز ننوز"، لم أفلح في تعليمه لفظ اسمها ولا في تعليمه الوقوف خلفي مع سيفه دون حراك ليكون الحارس الذي يحسدني عليه الأمراء والملوك، فعدلت عن الفكرة برمتها بعدما أيقنت أن عاجلا أم آجلا سيشج رأسي بطريقة ما، واكتفيت أن يجلس إلى جواري ساكنًا.

ضحكنا واحتسينا الشاي وغارت الشمس من السعادة التي استقبلنا بها هذا الصباح ولم نرغب فيمن يفسد علينا فرحتنا، وانضم إلينا جمال الدين وما كنت راغبا في لقائه منذ عبوره النهر لما يدور حوله من شبهات؛ قيل: إنه أحد رجال السرخفية، ولم يكن سرًا كونه من رجال يعقوب، احتسى الشاي ودخن سيجارة وصنع دوائرًا من الدخان، ولم يرفع عينيه عن نيروز حتى اشتد غيظي، وماذا أستطيع أن أفعل لأبعده عن حبيبتي سوى أن أصدر أوامري لحارسي الشخصي ليعالج رأسه بسيفه الفولاذي الحاد! وضربة واحدة كانت كافية ليتدحرج رأسه تحت قدمي وركلته بعيدا ونفستُ الغضب الذي خنق أنفاسي.

ليتَ أحلامي تصنع من الخشب فولاذًا! ومن حارسي الأبله جلادًا! ومازال هذا السرخفي اللعين يواصل إهانتي بتغزله في حبيبتي، وتعبث عيناه الخبيثتين بجسدها ولا حيلة لي، احترقتُ غيظًا حين شعرت أنه راقها وأطربها ببعض تغزله، هممتُ لأطلب النجدة من شريكي في حبها؛ ذلك الكعب البغيض لعله يذبح جمال الدين قبل أن يسرقها، وحين تركتنا نيروز بعدما آذنتنا في رقة أنها تشعر بالنعاس لم يبعد الحقير عينيه عن أردافها حتى توارت، وأقسمت لأجدن طريقة أقنع بها الكعب ليذبحه ويأكل قلبه ويروي عفاريت جنونه من دمائه.

الحقير لم يحترم عرشي وتمدد على البساط الذي أعددته ليجلس عليه رعاياي الأوفياء، وكان وقحًا عندما طلب من سالم أن يعد له القهوة، وما كنت لأجرؤ أن أطلب من الأبله أن يبصق في القهوة حتى لا يفضحني ولكني فعلت ذلك بنفسي، احتسى قهوته قليلة السكر كثيرة البصاق، وطرح عليَّ الكثير من الأسئلة ولفت انتباهي محاولته في أن يكون ودودا، وبعد عشر دقائق لم أرَ فيه أثرًا للرجل المتعجرف الذي عرفتُه قبل أسابيع، تحيرتُ في طريقة معاملته، وما كان أمامي إلا التظاهر بالغباء، ولم يخفَ عليه أني لا أثق به، وبدأ يكشف أوراقه لعله بذلك يحوز ثقتي فقال:

- أنا تركي مثلك يا عزيز ولستُ عربيًا.

في البدء لم أفهم ما الذي يسعى إليه عبر هذا الاعتراف الذي لم يضف لي شيئا لم أكتشفه، ولمَّا كان ردي صمتًا زاد في اعترافه:

- أنا أعمل مع الاستخبارات أيضًا.

فضلت أن أظل صامتًا، فرماني بنظرة وقال:

- وأنتَ لستَ أبلهًا كما يعتقد الجميع.

تظاهرت بالغضب قائلاً:

- أنا أستاذ عالم آثار باشا ابن باشا ولستُ أبلهًا.

ابتسم في خُبْث وقال:

- القصص التي سمعتها عن بلاهتك من الجميع تتناقض مع المكانة العالية التي بلغتها، ولا أستبعد كونك أحد رجال السرخفية المتنكرين.

سألته عما يسعى إليه من وراء هذا الحديث، فقال:

- سيقتلوننا جميعا يا عزيز.

- ولماذا يقتلونك وأنت منهم؟

- الآثار التي دفنتها فاطمة والذهب الذي دفنه جودت لا يحتمل وجود شهود، وهل تعتقد أن يسمحوا لنا بالنجاة لكوننا أتراكًا؟ لقد قُتل أتراكٌ أرفعُ نسبًا وشأنًا منا لما هو أقل من ذلك.

لم أشتم في حديثه رائحةَ الخداع، ولم يبد وراءه إلا خوفٌ حقيقيٌّ، ومع هذا كان يجب أن أحافظ على حذري حتى أفهم ما الذي يريده مني، وكما قال روهان بيك يوما:

- (كلما طال حديث المرء كثرت أخطائه وكشفت حقيقته)

أنا وببراعة دفعتُه ليروي قصته بدقةٍ تستوجب الملل؛ لقد التحق بفرقة خاصة تابعة لاستخبارات الجيش، تنشط في بلاد الشام، ومهمتها اختيار بعض الجنود شريطةَ أن يكونوا أتراك الأصل لآبائهم وأمهاتهم لضمان وفائهم، ثم تدريبهم على التظاهر بكونهم عربًا حسب ما تقتضيه الحاجة لزرعهم بين العرب المشكوك في نواياهم، أنهى تدريبه وبدأ ممارسة مهامه شرق الأردن، ولم يمضِ على خدمته عدة أشهر قضاها بين البدو حتى تمَّ استدعاؤه على عجلٍ ليكونَ في خدمة اليوزباشي شكيب، وكُلِّف باستئجار مجموعة من العمال العرب ليساعدوه في إيصال قافلةِ المؤنِ الأولى التي وصلتنا مُسبقًا، وكانت مهمتُه التالية بعد وصول المؤن أن يبقى متخفِّيًا داخل القافلة الطعم ليراقب كُلَّ شيءٍ ويحرص على ألاَّ يغادرها أحدٌ حتى تصل وجهتها، وأن يأتمر سرًا بأمر الضابط كاظم دليل القافلة، ولم يكن لديه ما يقلقه لولا هجوم العرب في ذلك اليوم الذي تسبب في فضح الكثير من الأسرار وقلبِ الخطط رأسًا على عقب، لقد أُثير داخله الكثيرُ من الخوف والأسئلة عندما شاهد تلك الطريقة التي دُفن بها الجنود، وعندما ألحقوه سرًا لخدمة يعقوب تفاجأ بإخفاء ثروة ضخمة من الآثار والذهب، وأدرك أن مصيره لن يختلف عن الآخرين، وبخاصة عندما أُمر بتسليم المسدس الذي كان يحتفظ به سرًا منذ بداية الرحلة، أخبرني أنه مازال يخفي مُسدسًا آخر بعيدًا عن أعين الجميع، وأقسم أنه عندما اكتشف شخصية حيان العسكرية عقد العزم على التبليغ عنه مع أول اتصال بالدليل كاظم، ولكن دفن الجنود بتلك الطريقة المُهينة وتسارع الأحداث جعله يتأنى حتى يفهم ما يدور حوله.

تتلقَّى ذاكرتي ما يبوحُ به في صمت، واندفع عقلي يحلل ويستنبط حتى تبين صدق جمال الدين؛ فمن السخافة أن يكون هناك هدف آخر يسعى إليه وجميعنا أسرى سيتم ذبحنا مع انتهاء رحلة هذه القافلة عاجلا أم آجلا، ولن يُترك جمال الدين على قيد الحياة بصحبة ما عرفه من الأسرار، هذا ولم أتخلَ عن حذري فسألته:

- وما يهمني في هذه القصة! ولماذا ترويها لي؟

- توقف عن تظاهرك بالغباء، لقد كشفتُ لك كُلَّ أوراقي، ثلاثةٌ من الأتراك لو تعاونوا سيحظون بالنجاة.

- ومن هؤلاء الثلاثة؟

- أنا وأنت وحيان.

- ولماذا لم تطلب هذا من حيان مباشرة؟

- لقد فعلت ولكنه لم يثق في حديثي، وأعتقد أنه أكثر ثقة بك.

- وما حاجتك به؟ ولماذا لم تهرب وحدك؟

- يحظى حيان باحترام العرب، ولن يتخاذلوا عن مساعدتنا بصحبته، كما أنه أكثرنا خبرةً بهذه البلاد.

- هل مازلت تتجسس لصالح يعقوب؟

- نعم، وهل لدي خيارٌ آخر! لقد كلفني ألاَّ أغفل عن حيان.

ابتسمت وقلت:

- ولكني سمعت عن علاقة حميمة بين حيان وفاطمة.

فأجاب على الفور:

- وهذا سبب آخر يدفع يعقوب ليأمر بقتله.

سألته عن روهان بيك فأقسم بأنه لا يعرف عنه شيئا، ولكنه يشك في أن يعقوب وراء اختفائه، ثم أطرد قائلاً:

- لو لم يهاجمنا العرب لمَّا افتضح أمر الذهب، ولما احتاجوا قتل أحد، ولكنه حظي وحظكم اللعين!

لم أكن حكيما في إطالتي معه، وكل ما خططت له سيذهب في مهب الريح إن لم أجد طريقة للخلاص منه سريعا، فطلبتُ منه المغادرة ووعدته بأن أتحدث مع حيان سريعًا.

فقال:

- لا وقت لديه، فالباشا الكبير في الطريق إلينا، وعندما يعرف بأمر علاقة حيان بفاطمة سيصلبهما معًا، وهذا ما بلغني.

ثم فصَّل القول في حكوه عن العلاقة السرية الحميمة التي جمعت فاطمة بحيان، وأخبرني أن يعقوب علم بأمرهما ولن يخفي عن الباشا هذا الأمر، ثم تركني وذهب بعدما أفسد صباحي، غافلت طبيلة حتى لا يتبعني، وتسللت إلى خيمة حيان فوجدته نائما ولمحت طرف مدية أخفاها تحت بساطه، أيقظته وحاول التملص مني فسألته عن حاجته للمدية التي أخفاها بإهمال ورفض أن يجاري حديثي قبل أن أحضر له القهوة، ولم يكن أمامي خيارًا فأعددتُها، وقبل انتهائي من روايةِ ما أخبرني به جمال الدين قاطعني ضاحكًا.

- ألا ييأس هذا النذل من المحاولة؟ يريد أن يستغلنا جميعا لأهدافه الخاصة!

- إذًا اهرب معه ولا داعي لمشاركة أحد، أنت لديك مدية، وهو يمتلك سلاحًا.

فضحك وقال:

- وأنت، ألا ترغب في الهرب؟

- لا، سأتدبر أمري في الوقت المناسب، أما أنت فلابد أن تعجِّل بالهرب.

فقال:

- وأنا أيضا لست على عجلة من أمري، فالبقاء هنا أكثر أمنًا من الثقة بجمال الدين.

امتعضت لجوابه وقلت:

- لا أحد يطلب منك أن تثق به، تعاونا على الهرب وليذهب كل منكما حيث يشاء.

فقال:

- لو أراد جمال الدين الهرب لفعل ذلك بمفرده منذ زمن، ألم تسأل نفسك: لماذا هو في حاجة إليك يا عزيز؟!

فقلت :

- أراد مني إقناعك.

فضحك وقال:

- لا أظن أنه السبب الوحيد، هذا النذل لا يخطو خطوة عشوائية.

لا رغبةَ لدي لأفكر في أسرار وأحجيات، ولم يشغلني سوى التخلص من جمال الدين، ولن أبلغ مرادي إلا بالتعاون مع حيان الذي بدا عليه أن عدوى الشك قد انتقلت إليه من روهان، فقلت له:

- يعقوب ينوي قتلك، وعشيق فاطمة قادم في طريقه وسيقتلك، لذا يجب أن تأخذ جمال الدين وتفر بحياتك.

تلاشت ابتسامته فور سماعه: عشيق فاطمة قادم، وسألني عن مدى صحة كلامي، فأكدت له سماعي من مصادر عدة، وأخبرته بأن اسمه جمال باشا، وأن الجميع يتناقل الحديث عن علاقته بفاطمة حتى سالم الأبله يعرف أدق التفاصيل، اعتدل في جلسته بعدما فاجأته بانعدام الأسرار في القافلة، وأن الجميع يراقب ويثرثر فقال:

- هذا موقع عسكري محاط بمئات الجنود، ولن يخترقه عصفور بغير إذن مسبق، ولكن ربما سنحظى بفرصة إن تمكننا من الوصول إلى النهر، ربما سأفكر في الأمر إن وافق جمال الدين على شروطي.

فأجبته على الفور:

- أثق في موافقته، أخبرني شروطك لأحدثه.

فقال:

- اذهب وأبلغه بأن شرطي الأول أن يسلمني سلاحه، والثاني أن اختار الوقت والرفقة، وأنت سترافقنا أيضا يا عزيز.

قلتُ سرًا: لكلِّ حادثٍ حديث، المهم أن أزيح جمال الدين عن طريقي حتى لا يفسد خططي، وحاولت أن أحثه على الإسراع وعدم المماطلة، فضحك وقال:

- يبدو أنك لم تلاحظ أغلالي، سأحتاج المفتاح أولا.

فوعدته أني سأجد طريقة لدخول خيمة يعقوب وجلب المفتاح، ففاجئني بقوله:

- المفتاح مع فاطمة وليس يعقوب.

تركته لأفهم هذا اللغز الجديد، وبحثتُ عن جمال الدين ووجدته يغط في النوم، أيقظته وسرني إزعاجه كثيرا وأبلغته بشروط حيان فوافق وفاجأني بقوله:

- والآن جاء دورك لتساعدني.

فسألته عمَّا يريد، فقال:

- أريد أن تساعدني في إخراج كمية من الذهب دون أن يلاحظ جودت.

فأجبته:

- إن كان هذا مستحيلا فيما مضى، فما بالك باليوم ويعقوب ورجاله يراقبون كلَّ شيء! كما أن خطة الهروب ستكون عبر السباحة مع النهر، ولن يتمكن سابح هارب من حمل شيء.

فضحك وقال:

- وما حاجتي في الهروب إذًا! لو أردت أن أهرب خالي الوفاض لفعلت منذ زمن.

شعرت بأني يجب أن أصفع نفسي عشرات المرات على وجهي وفمي الذي لا أجيد أن أبقيه مُطبقًا، يبدو أنه لا حاجة لأتصنع البلاهة بعد اليوم، فأنا لا أكف عن الانتقال من مأزق إلى آخر بسبب غبائي، وهنيئًا لجمال الدين، فقد نجح في خداعي ودفعني لأخلع جلد السانتور وجرَّني إلى مصيدته، وسرعان ما سأكون تحت رحمته، هذه القافلة اللعينة تثير جنوني، لا أحد يرغب في الهرب خالي الوفاض، الكل يفضل الموت على الهرب بغير ذهب! تبًا لهم! ماذا سيتبقى لي إن سرق كل واحد منهم شيئا، ألا يكفي ما سرقه عبد القادر، لن أساعد أحد في سرقة ذهبي، انتابني الصمت؛ بريق وتهديد ووعيد في عيني جمال الدين، وكأنه يقول: إن لم تساعدني سأفضح أمرك، هذا الحقير تحول من حمل وديع إلى ذئب، كم كنتُ غبيًا! لقد وضعت روحي في قبضته!

أشغلني جمال الدين عن خدمة جودت، فأسرعتُ وأعددتُ قهوته، وقمتُ على خدمته، ولم يكنْ راضيًا عن كسلي هذا اليوم، سألته:

- هل ترغب في أنْ أُعدَّ شيئًا ليعقوب؟

فقال:

- بعدما يصحو سأرسل في طلبك.

تركتُه وذهبتُ لخدمةِ الكعب؛ حليفي وشريكي في نعناعة؛ مددت رأسي داخل الخيمة وكان شارد الذهن وعندما انتبه لي أمرني بالدخول، وأحزنني أن نعناعتي قد عادت إلى النوم ولم يظهر من جسدها ما يثير، سألني عن الجديد من الأخبار، وكنت سأبدأ باختلاق الأكاذيب لأحرضه على جمال الدين لعله يذبحه ويريحنا منه! ولكنه سبقني وطلب إعداد كبد لإفطاره، فتلفتُّ حولي وسألته:

- أين الكبد؟

فقال:

- اذهب واذبح بعيرا.

لم يرق لي ذلك في هذا الوقت المبكر من اليوم، ولمَّا رأيتُ أن عدد الإبل يفوق حاجتنا، وذبحها أهون عليّ من استهلاك ما في خيم المؤن قررت الذبح بنفسي لعلني أنفِّس عن غضبي! وطلبتُ من نعمه أن يحضر سكينًا ويلحق بي حيث الدواب، ولم يخطر لي ببالٍ أنه سيجمع كُلَّ الأوغاد لمراقبة هذا الذي لم يميز -مُسبقًا- الناقة من البعير، واليوم يريد أن يذبح جملاً، التفوا حولي وكتموا أنفاسهم استعدادا لضحكاتٍ ساخرة، ويجهل جميعهم أني شاهدت ذبح البشر، وشاركتُ فيه، وما كنتُ لأخشى ذبحَ بعير.

أخذتُ السكين من نعمه وطلبت من جوهر أن يسوق لي بعيرًا فذهب وعاد إليَّ بأضخم بعير لأعجز عن ذبحه وأصبح هدفًا للتندر والسخرية، فقبلتُ التحدِّي وأسررتُ ألا أمنحهم الشماتة، وبدأتُ باستعراض ذاكرتي لعلي أسترجع مشهد ذبح بعير! فلم أجد سوى الدجاج والخراف، والحُمُر والبشر التي ذبحها الكعب أمامي، ولم أحاول مشاهدة ذبح بعير لإطعام القافلة، ولم يسبق لي رؤية هذا المشهد قط لأتعلم عنه شيئا، ووقفت حائرًا كيف يمكن أن أبطح هذا الحيوان الضخم صاحب العنق الطويل! وما كنت لأتراجع فطلبت منهم تغطية عينيه حتى لا يراني عند ذبحه، ومن ثم بطحه والإمساك به لأجهز عليه وما إن أنهيت جملتي حتى قهقه الجميع، ولم أعِ سبب سخريتهم، فأسرع أحمد الشايب لإنقاذي والتقط السكين من يدي وقال:

- (خلي عنك اخوي عزيز لا تتعب حالك)

وكانت هذه المرة الأولى التي أشاهد فيها ذبح بعير، حيث قام بعقْل يسرى البعير إلى الخلف مع ركبته وظل البعير قائمًا ببدنه على ما بقي له من قوائم، واقترب مُسرعًا وأدخل السكين في لبَّته، وبدأتْ الدماء تتدفق من أعلى صدره وبداية عنقه، ولكنه بقي واقفًا في كبرياء ولم يركع حتى جفَّتْ دماؤه وغادرتْه روحه، وسقط اللَّحم على الأرض، أشفقتُ عليه كثيرا وشعرت أن ذبحه كان أشد ألمًا وقسوةً من ذبح رشيد على يد الكعب، وأقسمت ألا آكل لحم الجمال ولو تضورت جوعا، وبعد سلخه سيطرتُ على الكبد وابتعدت به استعدادًا للطهو والشواء، لم أبخلْ على أحمد الكبير بحصةٍ ولا على سالم وطبيلة، ولمَّا كان شهيا رأيتُ أن أحنثَ بيميني هذه المرة فقط، وحمَلتُ ما أعددتُه من طعام إلى خيمة الكعب ولم أبصق فيه وتربعنا وأكلنا معا، وتركنا القليل لنعناعة لتأكل بعدما تستيقظ، ووجدتُها فرصةً لأزرع بذرة بغض جمال الدين في صدر الكعب، ولن أتردد في إنشاد هراء الـ"قاقا باقا" إن كان هذا سيخلصني من هذا البغيض.

وقف الكعب ورمى عباءته الشيطانية على كتفيه وقال:

- سأذهب لأتمشى قليلا.

أصبحت علاقتنا وطيدة، وما عاد للحواجز والكُلف مكانا بيننا، لم أتحرك من مكاني وقلت له:

- اذهب وسأكمل طعامي وأعيد ترتيب الخيمة قليلا.

رماني بنظرة وقال:

- احرص على ألا تزعج نيروز.

تركني، وكانت فرصتي لأبحث قليلا عمَّا يخفيه ولكني فضلت الاستمتاع بتأمل جسد نعناعتي على أن أعود للبحث عمَّا يخفيه في وقت لاحق؛ فخيمته لم تعد محظورة عليَّ، وبحركة خبيثة سحبت اللحاف عنها وعندما كشفتُ عن فخذيها لم تكفيني متعة التخيُّل وشعرت بالرغبة في ملامسة نهديها، واستقرتْ عيناي بين فخذيها فلم أنتبه عندما فتحتْ عينيها إلا عندما أمسكت بكفي وشدت عليه، اتسعت حدقتا عينيها تجاه كفي فسكن الرعب قلبي، ولم يتبقَ إلا صراخها حتي يأتي الكعب وينحرني فوقها، رفعتْ ظهرها واعتدلت وما زالت تمسك بكفي وقالت:

- ما هذا يا عزيز؟!

لم يسعفني عقلي في تبرير ملامسة نهديها، فضاقت أنفاسي، وتجمدتْ الكلمات في حلقي، ولم يخرج منه إلا المأمأة، والتأتأة، والفأفأة:

- مئ مئ مئ...تأ تأ تأ...فأ فأ فأ.

شدت على كفي بقوة وقالت:

..............................

<<<<<<<<<<نهاية الحلقة 40>>>>>>>>>>>>


© 2023 by JarretDahab