جرة ذهب - الحلقة السادسة والثلاثون

#جرة_ذهب_الحلقة_36 وصل وأغلظ جودت استقباله وتركتهما للاعتناء بنجمة القريبة من الخيمة، وأرخيت أذني وأرهفت سمعي حتى لا أفوت أيةَ كلمةٍ، وخاب أملي كثيرًا حين لم يتشاجرا، وبدا أن كل منهما يسعى لاختصار الحديث؛ قال الكعب ردًا على اعتراض جودت بما يقوم به: - قم بعملك وأنا سأقوم بعملي وهذا كان اتفاقنا بحضور الباشا الكبير. - وهل الباشا طلب منك أن تذبح العمَّال عن بكرةِ أبيهم؟ - أنا أقوم بعمل كل ما هو ضروري. - لم تترك لنا من يقود الدواب ويعتني بها. - ثلاثة فقط انتهى أجلهم على يدي. - أربعة وخامسهم إيليا. - ثلاثة فقط وبيبرس رجلي أنا، وما حدث مع الفتى لستُ مسؤولا عنه. - لن أسمح لك بالاقتراب من أحد آخر. - سأقوم بما تقتضيه الضرورة لحماية الأمانة التي نحملها وبإمكانك أن تشكوني للباشا الكبير. وساد الصمت، فابتعدت خشية أن يخرج أحدهما ويفاجئني، وأيقنت بأنه لن يستطيع أحد كبحَ جماحِ الكعب وتعطشه للدماء، وأن الكلمة الأخيرة في هذه القافلة ستكون لخنجره، والرِّهان عليه أفضل من رهاني على جودت الناعم الذي يبدو أنه عاجز عن حماية مؤخرته ليجرؤ على مواجهة الكعب؛ فمرافقة الموت خير من مواجهة هذا الكعب البغيض. انقضى النهار ولم يزعجني إلا قبر سلامة، وأشك أن عبدَ القادر سيصمد ليوم آخر بجوار جثة بدأت بالتعفن، وخروجه من القبر قبل رحيلنا سيتسبب في أزمة قد تطيح بي في طريقها. عاد إلينا الدليل مع آخر خيط لشمس اليوم وعلمت أننا سننطلق مع منتصف الليل، وبالرغم من أني لم أعرف وجهتنا إلا أني كنت سعيدا لقرب ابتعادي عن هذا المكان، واستثمرت ما تبقى من وقت قبل تحميل القافلة لألعب مع طبيلة، لعله يجذب نعناعتي لأستمتع بها في خيالي قليلا، وربما كنت محظوظا ولامستها تحت جنح الظلام، ولكن الحمير سبقتني وجذبتها، وكان برفقتها أحمد شيخه، وشعرت بأن هذا الملعون الصغير قد تجاوز الخطوط الحمراء، وأقسمت سرًا لأجعلنه يتضور جوعا. التفاتة عفوية ناحية قبر سلامة أسكنتُ الرُّعبَ في قلبي، الكعب يجلس بجواره ويتأمله فعادت إليَّ البلادة وتجمدت مكاني خوفًا، ولم أملك سوى الدعاء كي يترك القبر وشأنه...نادى الكعب علينا جميعًا، وطلب أن نجلب الماءَ ونخلطه بالتراب ونطمس كل الفتحات المُتخللة حجارة القبر بحجة أن الرائحة الكريهة بدأت تفوح، ولكن عينيه أخفتْ أمرًا آخر، لابد أنه لاحظ المبالغة في صفِّ الحجارة وعرض القبر، وشكَّ في اختباء عبد القادر داخله، ربما لم يجد الشجاعة أو لم يرغب بمواجهة جثة متعفنة، فأمر بإغلاق منافذَ الهواء ليموت عبد القادر إن صح شكه. بدأنا إغلاق الفتحات وكان الكعب حريصًا على طمس كلِّ منفذ، وبالغ في رصِّ كُتَلٍ ضخمةٍ من الطين فوق الحجارة، وحين انتهينا من مهمتنا ظلَّ بجوار القبر لأكثر من نصف ساعة، ثم عاد لخيمته فتنفست الصعداء، فإن مات اللص النظيف بسبب الطين يموت سري معه، ولكن حبي لهذا اللص قادني لارتكاب حماقة كانت كافية لتنسف كل شيء، قمت بمغافلة الجميع وعدت إلى القبر، وبغصنٍ جاف ثقبت الطين من عدة أماكن لأسمح بمرور الهواء، لعلي أنقذ حياته! وما إن ابتعدت حتى شعرت بندم شديد على هذا التصرف الطائش، وفكرتُ في العودة لأعيد إغلاق الفتحات. انشغلنا بتحميل القافلة وعيناي لم تتوقفا عن مراقبة الكعب، داعيًا الله ألا يمر بجوار القبر قبل رحيلنا، وتجهيز القافلة لم يكن يسيرًا، ولو بيننا من يمتلك خبرة بشأن الدواب والقوافل لنفعتنا قوة طبيلة، ولكن أغلبنا يجهل هذه الأمور باستثناء نعمه وأحمد الكبير، ولولا تدخل الدليل والكعب لما تمكنَّا من إكمال الاستعدادات للرحيل. الفتى إيليا لم يستعد وعيه بعد سوى تحسن طفيف في حالته وتحول من تمثال صلب إلى آخر رخو، ولم تعد هناك حاجة لصناعة حمَّالة خاصة به وصار بالإمكان طيه ورميه على ظهر حمار، وانطلقتْ القافلة قبل منتصف الليل تضج بالكثير من الدواب، ويصحبها القليل من البشر. قبل منتصف ليل الخميس نتسلل من بين الجبال والتلال التي سترتنا عن الأعين ونتجه جنوبا عبر أراضٍ قاحلة واسعة مكشوفة أمتعتْ الدواب بالسير فيها، وبعد ما يقارب الساعة قادنا الدليل جنوبًا، ثم مال بنا شرقًا، ثم شمالاً، ولو سرنا منذ البداية في خط مستقيم لما أهدرنا الكثير من الجهد والوقت، ولكن يبدو أن هناك عائقًا في طريقنا أجبرنا على الالتفاف حوله. وأثناء سيرنا انضم إلينا أربعة من الأغربة المسلحين ترجلوا عن خيولهم وساروا بيننا، واتخذوا من الجمال ساترا يخفيهم عن الأعين، وقد أخبرتني بنادقهم بأن خطرا ما سيواجهنا على الطريق، وعلى الفور تنازلت عن موقعي الذي يسمح لي بمراقبة الجميع وسرت وسط القافلة لأكون في مأمن، وسرَّني كثيرا أن طبيلة لم يبتعد عني، وبإمكاني استغلال جسده الضخم ليكون ساترا يصد عني الرصاص. مررنا بجوار دير، ثم منطقة زراعية فيها الكثير من الأشجار والنخيل، وتعمد الدليل أن يمر بينها ولم يفطن إلى أنها ستكون مرعى يدفع الدواب الجائعة على عصياننا، وسيصعب علينا حثها على مواصلة السير، وسادتْ الفوضى، ولم يعدل عن رأيه لأنه كان بحاجة إلى هذه الأشجار لإخفائنا عن مجهول ما، وفاجأني أحمد شيخه الصغير حينما تسلق أحد أشجار النخيل مثل قرد وأسقط علينا الكثير من التمور، ثم نزل تسلق أخرى، وكرر الأمر وأكلنا جميعا تمرًا طازجا ولذيذا لأن نعناعتي الجميلة طلبت من الكعب فأعطى خنجره لأحمد شيخه وأمره بذلك. تزحف القافلة ببطء شديد حتى اعترض طريقها بيت طيني متواضع أثار داخلي فتوةً لم أعهدها وتخيلتُ وقتها أن بإمكاني هدمه في أقل من ساعة، وأن طبيلة سيفعلها في دقيقة واحدة، وبينما أنا في مقارنة قوتي المزعومة ببطش طبيلة الذي لا يملك شيئًا من أحقاد البشر ألفيتُ نفسي خلف الجميع فرحل عني الشعور بالأمان وأكثرتُ من التلفت إلى الخلف حتى اصطدمت عيناي ببريق لمع بين التراب خلفنا، وانتشر البريق حتى تلألأت بقع من الأرض كما تتلألأ السماء بنجومها في ليلٍ بهي المنظر، وعندما نظرتُ أسفل قدمي رأيت قطعة ذهبية لم أنحنِ لالتقاطها، وهنا أدركتُ أن أحدَهم يقوم بنثر قطع من الذهب في طريقنا، ولم أكن لأجرؤ على ترك رسن الجمل لأتجاوز الدواب وأكتشف ناثر الذهب تحت أقدامنا، فأخذت أتطلع وأحدُّ النظر حتى لمحت شخصًا ينحني كل عدة أمتار فأيقنت أنه يلتقط قطع الذهب في سذاجة، ولمَّا تابعته بناظري اكتشفتُ أنه سالمًا الذي يليق بمثله ارتكاب الحماقات، وتحتم عليَّ إنقاذ مساعدي الأحمق قبل أن يُكتشف أمره، فقمت بالخدعة التي اعتادها سلامه -رحمه الله- وربطت رسن الجمل في ذيل البغل الذي يسبقه، وأسرعت إلى سالم وما كان لأحد أن يلاحظني لولا طبيلة الذي كان يتبعني كظلي ولفت انتباه الجميع فتلقَّفتُ قربةَ الماء من سالم متظاهرًا بالعطش، وقبل عودتي همستُ في أذنه كي يلحق بي، ولكنه تجاهلني، ولم يكن لدي حيلة سوى السير في صمت حتى انقطع بريق الذهب. ودعتنا البقع الخضراء وعدنا إلى القاحلة، ومنها قادنا الدليل شرقًا، لقد تكبدت القافلة كُلَّ هذا العناء لتخفي آثارها، وتركتْ خلفها دعوة ذهبية لمن يسعى إليها ومن لا يسعى، ولم يمر الكثير من الوقت حتى اكتشفتُ أن ناثرَ الذهبِ بغلُ المرحوم سعدون؛ فقد أخفى سعدون الذهب الذي جمعه من السيل في حِلس البغل ولم يكتشف أمره، ولو أدرك حقيقة الدنيا لما جمع شيئًا، ويبدو أن ثقبًا قد حدث في الحِلس فتساقطت القطع الواحدة تلو الأخرى، والله وحده يعلم بعددها، تُرى ماذا سيكون عند شروق الشمس ولمعان الذهب! هل سيعتقد المزارعون أن أرضهم قد أنبتت ذهبا! لابد أن رؤيتهم لآثار الدواب وما أحدثته من خراب ستدفعهم للاعتقاد أنها تتغوط ذهبا، وسينتشر الخبر ويهب الجميع لتقفي آثار القافلة لعلها تصيبهم بالثراء. جفتْ حلوقنا حتى اقتربنا مرةً أخرى من الأشجار والحقول التي أخفتْ خلفها الكثير من الجند المسلحين من حُماةِ القافلة، نلحظهم ولم نكترث لوجودهم، وقد أنبأتْنا طريقةُ اختبائهم على اتخاذ أهبة الاستعداد لاشتباكٍ مُحتملٍ مع عدوٍ شرس. تجاوزناهم واستقبلنا هدير الماء ولم نر النهر، سرنا بمحاذاته، ثم عرجنا يمينًا بضعة أمتار حتى علقنا بين مئات الأشجار المتشابكة التي سدتْ طريقنا ومنعتنا الاقتراب من النهر بعدما أخبرنا هديره بأنه على مقربة منا، وكان الدليل بارعا فأعاد صفنا وأرشدنا واستأذن الأشجار فسمحت لنا بالمرور فُرادى في هدوء حتى لا نوقظ الطير في وكناته، حينها استفزني غرور المكان، ولو كنت صاحب الأمر لأمرت الجميع بأن يستلوا سيوفهم ويدمروا كل عائق، لأعبر غازيًا فاتحًا بقوة السيف، وبعدما عبرتُ واستقبلتني ضفة النهر سحرني المكان وأصابتني الدهشة: - هل يوجد على سطح الأرض أكثر سحرًا من هذا! القمر لم يغادرنا، وكانت الشمس في انتظارنا وعزفت الطيور أعذب الألحان واقتربت منا السماء في هذا المكان، غرقت عيون الجميع في صمت وانبهار، وحدثتني نفسي حالمةً: عند عودتك لاستخراج الذهب لابد أن تشتري هذا المكان ولو دفعت فيه نصف ما تملكه من ذهب، وأخذني خيالي بعيدا وشيدتُ قصرًا عظيمًا ولكن سرعان ما هدمته حتى لا أثير الشبهات حولي، وأقمت على إطلالة كوخ صغير ليضمني ونعناعتي فقط، وربما تركت طبيلة يعيش معنا ليحرس باب الكوخ. الدليل يحثنا على التحرك يرشدنا كيفية عبور النهر، وكنت أول العابرين وعلى ضفته الشرقية استقبلتنا طيور النورس ورحبت بنا وكم تمنيت أن أحيى تلك اللحظة إلى الأبد! ولكن هيهات هيهات؛ فالغراب المُسلَّح كان في انتظارنا، مهمته اصطحابُ كُلِّ مَنْ يعبر النهر إلى المخيم، حتى لا يكتظ المكان ويسمح بعبور الجميع، تبعناه مغادرين النهر حتى احتضننا مكانٌ فسيحٌ تطوَّقه الصُّخور والتلال، يحتلُّه عددٌ كبيرٌ من الخيام الخالية على بقعةٍ واسعةٍ من الأرض، ومن المخلفات المنتشرة هنا وهناك يمكن الاستدلال على أن هذا المعسكر الكبير قد أقيم قبل سنوات، وتم إخلائه من الجنود قبل أسابيع، الموقع وما يحيط به يدل على قدر كبير من السرية، حتى أنه كان أشبه بالسجن الكبير، والطريقة التي وزعت بها الخيام، وبُعدها عن بعض لمسافات كبيرة تدل أن قادة كبار كانوا هنا. ولمَّا كنت ونعناعة وطبيلة ضمن أول فوج عبر النهر إلى المخيم امتلكنا فُسحةً الوقت لانتظار وصول الآخرين، فاقترحتْ نعناعة أن نلعب الغُمِّيضة، وعلى الفور اختبأتُ ولم يفهم طبيلة معنى الاختباء فأمسكت به نعناعة وجاء دوره فأغمض عينيه، وأردت الاختباء مع نعناعتي ولم أتمكن، فبرزت لطبيلة الذي لم يبرح مكانه حتى فتح عينيه وأمسكني، وحين جاء دوري أغمضتُ عيني وفتحتها فإذا بطبيلة واقفًا يضحك وينظر إلى إحدى الخيام ويشير حيث اختبأت نعناعة، فهرعت إليها لأغتنم فرصة لملامستها وربما لأكثر من ذلك، ولكن خاب أملي، فقد وصل الفوج الثاني وانشغلت معهم ولم أكمل أمنيتي الصبيانية. وصل جودت مع الفوج الأخير للقافلة، وقام بجولة سريعة بين الخيام واختار أكبرها، وطلب أن ننقلها إلى زاوية أخرى، وأمرنا بنقل الصناديق إليها، وبعدما انتهينا أمرَنا بضرب خيمته الخاصة ودمجها فيها، وأثار جنوني بالترتيب الذي بالغ فيه، كنتُ على عجلةٍ من أمري حتى لا أفوت الفرصة في مساعدة نعناعة، وتعليمها القليل من النظام والاختلاء بها قليلا، وربما تمكنت من اكتشاف ما يخفيه الكعب في خيمته، ولكني أهدرت كل وقتي على جودتْ ونجمة هانم، ونامت نعناعة، ولا شك في أنها ألقت ثيابها وأحذيتها وغرقت في فوضى عارمة، هذه الحسناء تحتاج لمن يصفعها على مؤخرتها ليذكرها بأنها هانم ولا تليق بها هذه الفوضى. وزعت الطعام على الجميع واخترتُ خيامَ المؤن وخيمتي الخاصة، وأسوأ ما في هذا المكان أن كُلَّ واحد بإمكانه الحصول على خيمته الخاصة، وعلى أكثر من خيمة إن أراد، ولن ينام أحد بالعراء، ولن يكون هناك فرق بين الثلاثة الكبار -أنا وجودت وطبرق- وبين هؤلاء الأوباش، واأسفاه على هذا الأمر! فما عادت الخيمة تميزني عن بقية العوام. دعانا الدليل لنرافقه في جولة ليطلعنا على علامتين لا ينبغي تجاوزهما، أطلق على الأولى علامة الخطر، وعلى الثانية علامة الموت، وأخبرنا أن مَنْ يتجاوز الأولى سيحدق به الخطر، والثانية تعني الموت المؤكد، وبالرغم من ذلك فإن مساحة حريتنا في التحرك تعادل قرية صغيرة، وتمكننا من إقامة سباق خيل لو أردنا، وبعدما انتهت الجولة ساعدناه على ربط عدد كبير من الدواب، وعاد بها غرب النهر، وكان واضحًا أن مكوثنا في هذا المخيم سيدوم طويلاً. فاجئني ولم أتوقع يوما سؤله، لقد تجاهلت الكثير من القواعد السانتورية في الآونة الأخيرة، وأخشى أنه فطن لادعائي البله، لقد اعتدت منه على أسئلة تحاكي غبائي المصطنع لا على سؤال خرج من بين شفتيه بتثاقل وعصر عينيه قبل أن يسأله، فأجبته: - في المرة الأولى حينما ذبح رشيدًا بكيت كثيرًا، وفي المرة الثانية ذبح خلدون وبيبرس وسعدون، بكيت أيضًا، ولكنه أخبرني أن كل من يقوم بذبحه سيدخل الجنة ولهذا فرحت لهما. فتح فمه، ورفع حاجبيه، ثم قال: - هل أنت مجنون لتصدق هذا الهراء؟ أسررتُ في نفسي: ولِمَ لا أصدقه فأنا مجرد خادم أبله، وأجبتُه في خشوع: - وأخبرني الشيخ طبرق أيضًا أن سيدك جودت باشا سيذهب إلى الجنة قريبا. كلماتي الأخيرة جاوزت حدود البله والتهور والغباء، هزته فعلا وانتصب على ساقيه وقال: - ماذا أخبرك ابن ال****؟ وهذه المرة الثانية التي أسمعه يتلفظ فيها بلفظ سوقي، وهنا شعرت بأني قد ورطت نفسي في كذبة من السهل كشفها، وكان لابد أن أجد طريقة سريعة للتراجع عن قولي خشية ردة فعله التي ستورطني مع الكعب، وأخذت أخلط الكلمات لعلها تغير المعنى، وأطلت الحديث، ولكن لم يعلق برأسه سوى أن الشيخ طبرق يهدد بإرساله إلى الجنة، وفي هذا نية مبينة لقتله، وقبل أن يستقر الخوف في قلبي طلب مني أمرا، وفور سماعه كدت أختنق وأنا أجاهد لأكبح ضحكاتي التي وصلت إلى حلقي، وأخذت أصدر أصواتا رغمًا عني "أخ اوووف اع..." حتى أمنع نفسي من الضحك، وحينما هدأت قليلا أجبته: - سأفعل ذلك فورا يا سيدي خرجتُ بعدما أذِن لي وأسرعت إلى خيمتي وألقيت جسدي على الفراش، وضحكت كمجنون حتى سالت دموعي؛ فقد طلب مني جودت بطرق ملتوية أن أنقل خيمتي بجوار خيمته، بحجة أنه يريدني قريبا منه عندما يحتاجني، وكان سببا معقولا، ولكن عندما طلب أن أجلب معي طبيلة لينام أمام الخيمة حتى لا يجرؤ أحد على الاقتراب من نجمة، ما عدت أشك في أنه يسعى ليكون في مَنعةٍ من الكعب إذا أراد ذبحه وهو نائم. يا لسخرية القدر! كيف لو علم قائد القافلة الجبان بأني بلت في ثيابي أكثر من مرة رعبا من الكعب وخنجره، وأني أتجمد خوفا إن رماني بنظرة، كان الأجدر به أن يبحث عمن يحميني ويحميه، ولكن لا بأس إن ظن أني قادر على حمايته، ولن أتقاعس، سأبذل قصارى جهدي ما دام لا ينوي أحد قتله، وحينما يقترب منه الموت سأجلس في هدوء وأراقب، وربما أرقص وأنشد الـ"قاقا باقا" وإن طلب الكعب مني حمل الإناء الفضي والإمساك براسه ليملأه بالدماء فمن الحكمة ألا أعترض، ثم شطح خيالي بعيدا، فرأيت الكعب يذبحه بينما أمتطي نجمة وأحتضن نعناعتي لنقوم بنزهة بين حفر الذهب. وفي عصر اليوم ذبح الكعب بعيرا وبعدما غرقنا في اللحوم أردت أن أعيد سالمًا إلى حظيرتي مرة أخرى، وساعدتني بعض السجائر في احتواء ذلك المتمرد الذي لم يتنازل عما يحمله من قطع ذهبية في يسر، ولكنه وافق أن يدفنها في مكان لا يعرفه غيره، لم يستوعب هذا الأبله أن هدفي حمايته ولا أسعى لسرقته. وقبيل الغروب طالعتْ من شرق المخيم قافلة قوامها ثلاثون جملا، قادها الدليل ومرافقه، عشرة جمال تم تعليمها وفرزها وكل حمولتها تخص جودت، وعشرون لمؤن القافلة وتحوي ما لذَّ وطاب، وجميع ما نحتاج من المؤن، ومِمَّا أفرحني أنني وجدتُ بين الحمولة صابونًا معطرًا، فأخذت منه القليل لنعناعتي لتستحم وتفوح منها رائحة طيبة، ففي الآونة الأخيرة لم تستحم كثيرًا، وهذا لا يليق بحرم عزيز أفندي المستقبلية. كان الجو معتدلاً، وحين غادرتنا الشمس هبت علينا رياح عاتية كادت تقتلع خيامنا، ودمدمة الرعد صمت آذاننا، وسنا البرق كاد يحرق متاعنا، ثم هطل المطر بغزاره ولم يتوقف حتى منتصف الليل، ولما هدأت الأجواء غططت في نوم عميق بعدما أخفيت كل جسدي بلحاف ليقيني قطرات الماء التي تسربت من سقف الخيمة المُثقَّب، وقبل بزوغ الفجر أفقت على ضجيج وخرجت لاستطلاع الأمر وأول ما وقعت عليه عيناي كان سالم وبجواره إيليا الأمهق يسيران جنبًا إلى جنب ويتجهان شرق خيمتي، أفرحني أنه تعافى ولحقتُ بهما إلى الخيمة التي دخلاها، وفاجئني ما رأيت وكان لابد أن أفرك عيني عدَّةَ مراتٍ.....

<<<<<<<نهاية الحلقة 36>>>>>>>>


© 2023 by JarretDahab