جرة ذهب - الحلقة الثالثة والثلاثون


#جرة_ذهب_الحلقة_33

غابت الشمس وغاب معها سلامة وأصبح جزءًا من الماضي، وترك طبيلة يتيما، وجزء مني حملني مسؤولية موته أيضًا...في تلك الليلة المشؤومة هربت جبانًا ولحق بي سالم، وليتني لم أفعل! ربما تجرأ ذلك الحيوان على عض سلامة لأنه تصدَّى له وحده، لا يهم إن كان كلبا أم ضبعا، فالعضة تسببت في موته...قررتُ أن أخصم من حصص طعام الجميع، وأطعم العملاق اليتيم لترتاح روح سلامة.

قبيل منتصف الليل انطلقنا لدفن الجرار، ولم تميز هذه الليلة تلك الجرار الثلاث التي تم دفنها، ولا سعدون الذي خانه ذكاؤه وكشف نفسه عندما بالغ في التلفت نحو التلال ليرسم خرائط في عقله لموقع الدفن، وإنما ميزها حقًا ذلك الغضب الشديد الذي انفجر من داخل جودت في وجه المسخ اللعين، قائلاً:

- ألم تمل هذا الجنون والهراء الذي تقوم به؟! ألا تكفي الـ "قاقا باقا" لمرة واحدة؟! هل هناك ضرورة لتكرارها عند كل جرة؟!

ابتهج قلبي كثيرا، وامتعض الكعب كثيرا.

وفي طريق العودة كرر جودت على مسامعي أكثر من مرة:

- هذا واحد جاهل ومعتوه...

وكأنه كان في أمس الحاجة لإخبار أحد بعدم إيمانه بهذا الهراء، وبأنَّه مجبر على احتماله، وكنتُ في أمس الحاجة لسماع شتائم دسمة مثل؛ (اروسبو اوغلو) ابن عاهرة، ولكن هذا الناعم المثقف ما كان ليتلفظ بها، ولكنه أسعدني حين بصق أكثر من مرة على الأرض وردَّدَ:

- (تفووو علي) كيف وافقت على مرافقة هذا المجنون؟

ندر لقاء الاثنين إلا للتشاور في أمر خارج الخيام، متجنبا أحدهم الآخر، ولكن أن تصل الأمور إلى حد السخرية من الـ "قاقا باقا"، هذا تطور مفيد ولابد من استغلاله جيدا.

عدنا إلى القافلة، وعدت إلى خيمتي الرائعة، ولم أنسَ أخذ الكثير من التمر إلى طبيلة، والاطمئنان عليه، فوجدته متربعا على الأرض والدموع في عينيه، ولم يقترب من الطعام الذي أحضرته مسبقًا، تركت التمر بجانبه ومسدت على شعره وتركته لأحزانه وعدت إلى خيمتي.

باكرًا أيقظني سالم؛ بعد صلاة الفجر، وكان يبدو عليه الإرهاق، فلم يستطع النوم ليلاً لأننا اعتدنا النوم نهارا، أشعل النار وأعد لي القهوة، ولم أكن من عشاقها، ولكن لن يضرني تقليد جودت أفندي، والشعور بأن هناك من يخدمني مثله.

أرسلته ليزعج منام نعمة ويحضره لمساعدتنا، انتظرنا حتى أتمت الشمس شروقها، وبدأنا توزيع الطعام، وأضفت لهم جميعا الكثير من التمر رحمةً لروح سلامة، وأخذت بنفسي طعام طبيلة، ولم يخلع عنه الحزن وإن كان أفضل حالاً من ذي قبل، حاولت التحدث إليه، فأخذت أشير بيدي لصدري وقلت:

- أنا عزيز، أنا عزيز.

ورد علي وقال:

- اذيذ، اذيذ...

أفرحني تجاوبه معي، فناولته قطعة شوكولاتة وعدت لأتم عملي، وأترقب حبيبتي حتى تستيقظ لأعد إفطارها، وسار كل شيء كعادته، وفي ساعات الظهيرة ناداني جودت أفندي، وشعرت أنه في حيرة من أمره، وأشار إلى صندوق كان في آخر الخيمة، وسألني إن قمنا بفتحه من قبل، وذاكرتي لم تغفل أدق التفاصيل، وأنا على يقين بأننا لم نقترب من ذلك الصندوق، ولكنني أجبت:

- ربما فعلنا يا سيدي.

هز رأسه وكأنه أدرك سؤله قائلاً:

- نعم، نعم، ربما تغيرت مواقع الصناديق حين انتقلنا أعلى الوادي... اذهب الآن وأحضر لي شوالا من الخيش وعُدْ.

ذهبت لخيمة المؤن، وأفرغت شوالا وعدت به، فطلب أن أحفر داخل الخيمة الثالثة، وهي الأكثر بُعدًا عن مجرى سيل الماء، وكما توقعت ملأناه ذهبًا وجررناه ودفناه، ثم أخفينا الأثر، وعلى حين غفلةٍ من جودت ألقيت نظرةً سريعةً على الصندوق فإذا بنصف الذهب المحفوظ فيه قد اختفى، فعلمتُ أن أحدا قد اقتحم الخيمة وسرقه، لم يكن من السهل حمل هذه الكمية الكبيرة أو إخفاءها؛ ولذا كان جودت متحيرًا بين أمرين؛ هل سُرق كل هذا الذهب، أم أننا فتحنا الصندوق وملأنا منه الجرار مُسبقًا؟ لا أفهم كيف يمكن أن يكون بهذا الإهمال، لا يعقل أنه لم ينتبه لاختفاء نصف صندوق من الذهب! أيعقل أنه يجهل الكمية التي نحملها معنا!

وكانت فرصة لإلقاء نظرة سريعة على ما بعض ما كتبه جودت أفندي في يومياته عن رحلتنا:

- (((بدأ قلقي بعدما بدأ سحر الذهب يبرق في عيون الجميع، وتساءلت كل ليلة: مَنْ منهم سيذبحني في أول فرصة تسنح له؛ ليستولي على الذهب؟ وبدأنا في دفن الذهب، وأشفقت على الفتى إيليا الذي اضطررنا لفصله عن والده؛ لينقش ما أزوده به من رموز، وطبرق الذي قيل لي عنه: إنه ذو منفعة، لم أجد تفسيرا لذبحه حمارا، ولا لكل الوقت الذي يهدره على الشعوذات، وما علاقة قائدنا صاحب المشروع التقدمي، وقدرتنا على صناعة الطائرات والتحليق بها خلال خمس سنوات، بهذه الممارسات التي تناقض كل ما نادى به، فهل يُعقل أنه ارتدى عباءة مثقوبة هو الآخر!

احتفلنا بذبح حمار ولم أعترض، وبعد أيام ذبح عربيا بحجة أنه يخطط مع الآخرين لقتلنا جميعا ولم أعترض، ثم ذبح آخر، ولم يرحم خادمه ولم أعترض، فأي مشروع يؤمن به هذا القاتل؟! وأية أخلاق يتحلى بها قد تمنعه من خيانتنا جميعا؟! لن يكون هذا الذهب بأمان مادام هذا السفاح الخائن يعرف كل شيء...ولابد من العودة سريعا لإخراجه فور استقرار الوضع، وهنا ما كنت بحاجة لأوامر من الباشا لأطبق ما ردده دوما: "إنقاذ ما يمكن إنقاذه"، فبدأت في إخفاء الكثير من الذهب دون علمه، وأرسلت رسالة مشفرة لشكيب حملها إليه كاظم، أفصحتُ فيها عن مخاوفي، فوصلني الرد وبدأ كاظم يفاجئنا بزيارات غير متوقعة كل عدة ساعات، ولابد أنها ستكون كافية لردع أية خطط تهدف إلى الخيانة ممن يرافقنا، وعلى رأسهم طبرق؛ هذا الجسم الشاذ الغريب عنا جميعا.

مرت أيام ولا أذكر بأني استطعت النوم لساعة كاملة دون أن يقطع نومي صدى صوت أو حلم مزعج، ولم أكف عن التساؤل؛ لماذا اختارني الباشا لهذه المهمة، وهو أدرى الناس بأني لست أهلا لها...ربما وجد أني منيع أمام سحر الذهب.

وبالرغم من بؤس الجبال التي تحيط بي من كل جانب إلا أني اكتشفت صدفةً أن بصحبتنا شاب تركي كان شديد البلاهة والظرافة، وكل كلمة كان ينطق بها تدخل البهجة إلى قلبي، وجوده معنا كان قصة تستحق أن تروى، لم أتذوق طيلة حياتي طعامًا أشهى من الذي تعده أمي إلا ما يقوم بإعداده، هذا الشاب مفعم بالحيوية والسعادة، يشعرك بأنه يمتلك الدنيا وما فيها، لا يشغل باله شيء، واثق الخطى، يجد في سخرية الآخرين منه إطراءً، حريص على أناقته وارتداء ربطة العنق، ولولا بعض الغبار والثقوب التي ظهرت على ثيابه لاعتقدت أنه ذاهب لحفل استقبال كبار رجال الدولة، مهذب بطريقة مستفزة، ومدهش في كل ما يقوم به، حتى نجمة أحبته، ومن أجمل ما قاله لي: إنه لم يتعلم كيف يكون سلطانا))).

لم أجد فيما كتبه ما يستحق الاهتمام فخرجت ولم يشغل بالي سوى معرفة سارق الذهب، من المُحال أن فردًا واحدًا استطاع ذلك، والمتهم الأول كان سعدون المقدوني، وسيسعدني أن أكشفه، وذاكرتي تؤكد أن السطو كان بعد النقل وليس قبله، وسعدون كان برفقتي عند دفن الجرار الثلاث، وهذا يبرئه ويشير إلى اتهام نعمة...عاجلا أم آجلا سأكتشف الأمر.

ذهبت إلى المسخ وأخبرته بأننا قمنا بدفن شوال من الذهب في الخيمة، من الذكاء أن أكون عبد الـ "قاقا باقا" مخلصًا ووفيًا كي أتقي شره، وفي الوقت ذاته أحسن استغلال الخلافات، سرَّه ما فعلت وربَّت على كتفي، وكنت آمل أن يدعوني لقضاء وقت ممتع مع نعناعتي مكافأة لي على إخلاصي وولائي، ولكنه قال:

- يا عزيز أنا مضطر إلى أن أقسو في معاملتك أمام جودت حتى لا يساوره الشك في علاقتنا.

بعفوية حمقاء، ولا أدري كيف زل لساني سألته:

- متى سنذبح أحدا للـ "قاقا باقا"؟

اعتقدت أنه سيصفعني؛ لامتلاء نبرة صوتي بالسخرية، ولكنه فاجأني قائلاً:

- اختر من تريد وسأشرفك بذبحه بنفسك...

كان جادا في قوله، فوجدت نفسي في ورطة انزلاق لساني، وحاولت التهرب إلا أنه أصر على سماعي أنطق باسم أحدهم، فما كان مني إلا أن طلبت منه الوقت للتفكير والاختيار، لعلي أجد مخرجا لهذا المأزق.

تركتُه وأنا على يقين أن عدم نطقي باسم ضحية الـ "القاقا باقا" سيشعره بالإهانة، ولا يجوز العبث مع أمثاله...لم أستطع منع أفكاري عن البحث، فطاف خيالي على الجميع، وكلما فكرت في أحد قفزت صورة سعدون أمامي.

انقضى النهار وملأت أربع جرار ذهبًا، ثم ذهبنا للحفر والدفن ولم يرافقنا جودت، بل اعتمد على الأمهق ليقوم بالمهمة، ولم يفعل هذا من قبل، وميز هذه الليلة أنها المرة الأولى لابتعادنا كثيرا عن القافلة، والمرة الرابعة لمرورنا بجوار أحد الأديرة، وهطلت الأمطار بغزارة، أنهينا مهمتنا، ولم نتمكن من العودة إلا بعد بزوغ الفجر.

تركتُ مهمةَ توزيع الطعام لسالم ونعمة، بعد أن طلبتُ من كليهما أن يراقب الآخر سرًا، وأخذتُ الطعام بنفسي لطبيلة ففرح لرؤيتي، وذهبت باحثًا عن راحتي آملاً ألا يوقظني أحد، فصحوت على هدير الماء؛ فقد سببت أمطار الأمس سيلاً جارفًا أخذ في طريقه بعض أغراضنا، وكانت فرصة للاستحمام وغسل ملابسنا، فأعطيت ملابس جودت لنعمة، وملابس نعناعة تركتها لسالم؛ لثقتي فيه أكثر.

ومع الساعة العاشرة صباحا حضر الدليل ومرافقه، وحان وقت عبور النهر، وجمعنا الدليل هذه المرة ووقف بجانبه جودت، وأخبرنا بأننا قد نمر بالقرب من سكان المنطقة، فحذَّرنا من الحديث معهم أو الاقتراب منهم، وأطال في وصيتنا وتبصيرنا كيفية التصرف إذا طرأ طارئ، وأمرنا أن نحرص على أن يكون طبيلة بين الجمال، وأمر الأمهق إخفاء وجهه بارتداء عمامة وعقال، وتوَّج خطبته بطلبه من الكعب استبدال ملابسه بأخرى أقل جذبًا الانتباه.

كان واضحًا أن العبور إلى الضفة الأخرى للنهر هي المرحلة الأكثر دقة في رحلتنا، ربما لأننا سنخوض مناطق غير موالية لهؤلاء اللصوص، أو أنهم حريصون على عبور النهر دون تسرب الخبر.

أعددنا القافلة جيدًا وتزودنا بالماء، ولكثرة الاجتماعات بينهم شعرت بالقلق لشيء ما قد يواجهنا في الطريق، وأكثر ما كنت أخشاه هو قطاع الطرق والرصاص، ولم أفهم لماذا ستتحرك القافلة نهارا، سارت القافلة لما يقارب الخمسين مترا فقط، وهنا قام جمل بمهاجمة آخر وعضِّه، ويبدو أنه لم يتم لجمه جيدا، وحاول الدليل تهدئته قبل أن تعم الفوضى، وحاول أيضا نعمة ولم ينجحا، وهنا قال لي جودت:

- نادِ على العربي مغمض العينين.

هرولت لمناداة عبد القادر، بحثت فوق الجمال وأسفلها، وكأن الأرض قد انشقت وابتلعته، وبصعوبة بالغة تمت السيطرة على الجمل وعادت القافلة لتواصل سيرها، إلا أن جودت أمر بالتوقف، وبدأ بنفسه البحث والسؤال عن عبد القادر، وحين اتضح أنه ليس مع القافلة أطلق الجميع للعودة والبحث، ووصلت السذاجة إلى أن يبحث البعض عنه بخروج الحمير، وحين تلاشت البراءة من وراء اختفائه تم البحث عنه بدقة بالغة، ولم تبقَ زاوية فيما يحيطنا إلا وتم تفتيشها.

تسلق كاظم التلال، وأخذ يقص كل أثر، وعاد وهو على يقين أنه قد هرب عبر السيل؛ إمَّا الى مدخل الوادي وإما إلى الخلف، لهذا لم يخلف أثرًا وراءه، وقبل البدء في رحلة البحث عن الهارب، سأل جودت الجميع عن آخر مرة شوهد فيها، ليحدد زمن الهرب والمسافة التي قطعها...عبد القادر شبح نائم لا يلفت الأنظار؛ لم يستطع أحد الرد على جودت سوى الكعب الذي أكد على رؤيته قبل نصف ساعة، وآخر أكد على كلامه.

هنا أمر جودت الدليل بالإسراع في تجنيد كل الحراسة للبحث عنه، وقطع الطريق أمام هربه، وأخذ مرافق الدليل وانطلقا معا بعد أن أوصاني بالقافلة، لم أكره عبد القادر يوما، ولا أتمنى له مكروها، بل لعنتُ الجمل الذي كشف أمره.

لم أجد منطقا في هذا كله...نعم هو درويش، ولكنه ليس أحمقا، كانت أمامه أكثر من فرصة للهرب ليلا، مررنا بأماكن أكثر مناسبة للهرب، هذا الوادي تحيط به التلال وحتى سالم الساذج ما كان ليختار هذا المكان ليهرب منه، والتوقيت الذي اختاره كان سيئا للغاية، لماذا لم يهرب عند غياب الدليل ومرافقه! كنا نذهب لدفن الذهب لماذا لم يهرب حينها!! أيعقل أن موت سلامة أثَّر على عقله!

ما فعله اليوم سيفسد الكثير من خططي، لم أتفاجأ حين أخذ مَنْ في القافلة يرددون: عبد القادر شبح ولي صالح ولم يكن له وجود، وما شاء الله أخذ كل منهم يروي قصته، ولو استمع قاضٍ لكل هذه الشهادات لأعلن على الملأ أن عبد القادر ملاك في صورة بشر جاء لهداية المُضلين في هذه القافلة، ولابد أنه عاين قلوبًا فاسدة فتركهم في ضلالتهم.

حقيقةً يتمتع هذا الرجل بالكثير من الصفات الطيبة، وقام بأعمال لم أجد لها تفسيرا، ولكن عقلي الصغير لن يصل إلى حد رؤيته ملاكًا أو شبحًا، واختفائه لا يفسر إلا باستغلاله انشغالنا، ربما بدافع الحزن الذي أصابه، وربما لأنه ملَّ من كل شيء.

الدواب محملةٌ وأنا -في غيابهم- المسؤول الوحيد، أنا الرجل الثالث في سُلَّم القيادة...ضحكتُ سرًا وتساءلت من أنا؟! طباخ، مهرج، حفَّار، حمَّال، عبد الـ "قاقا باقا"، خادم، أمين الذهب، حارس نيروز، أمين أسرار الكعب وجودت، سانتور...أنا كل هؤلاء، والأهم من ذلك كله أنني أكثر العارفين بمكان كل جرة ذهب، وخرائطي هي الأدق لا محالة.

ذهبتُ إلى نعناعتي وكانت متعكرة المزاج، ولا أعرف السبب، ولم أذهب إلى العملاق بل أتى إلي وأفرحني ذلك، وتساءلت هل أنا فعلا أشعر بشيء من العواطف تجاهه، أم أجد فيه لعبة بعدما زال خوفي منه؟! ناداني قائلا:

- اذيز، اذيز.

هذا تقدم ملحوظ، بالأمس كنت "اذيذ اذيذ"، حسدته على استطاعته التغلب على أحزانه بهذه السرعة، وأنا مازلت أحمل أحزانًا منذ أكثر من عشرين عاما...لم أكن بحاجة لأتكبد العناء بإنزال حمولة أحد الجمال لإطعامه، فقد احتفظت ببعض التمور والطعام بخرج أحد الحمير من أجله، فأطعمته حتى شبع، وأقسمت أني لن أتركه يجوع أبدا، فما يميزني عن صاحبه السابق سلامة هو امتلاكي سلطة الوصول للطعام متى شئت.

جاءت نيروز وأخذت تراقبه في سعادة وهو يلتهم الطعام، وها أنا أُكافأ على رعايتي لهذا العملاق، وما كنت أريد شيئًا بعد الذهب إلا أن تكون قريبة مني، راضية عني، لقد أسعدها حصولُها على اسم جديد من طبيلة "نونوز" كان لفظ اسمها على لسانه ساحرا، وأحببتُه كثيرا، حتى أخذت أناديها به، وسرَّها ذلك.

حذرته ألا يفكر في سرقتها مني، وإلا سأجعل عفاريت الـ "قاقا باقا" تشرب دمه، لم أكن جادا، فقط سخرت سرًا كعادتي، جلسنا وقضينا وقتا ممتعا في انتظار عودة فريق البحث، واتكأ طبيلة على حجر وتمدد على الأرض وتجاهلنا ونام، وضحكتُ و"نونوز" على ما فعل، وفاجأتني حينما تركت رأسها على صدره وتمددت بجانبه، والابتسامة لم تفارق شفتيها، كانا طفلين بريئين افترشا التراب؛ مشهد ساحر يفوق في جماله أجمل ما رأيت، أعادا لي بعض براءتي المسلوبة في طفولتي...براءتي التي ساهم كل من حولي في قتلها...أنظر في عيني نيروز دون التوقف عند نهديها، لم أتذوق هذه المشاعر من قبل، في تلك اللحظة تجاوزت مشاعري جسدها ولامست روحي، فابتعدت عنهما قبل أن تطغى أنوثتها على أفكاري مجددا؛ فلا أحب إفساد هذه اللحظات التي ربما لن تتكرر ثانية.

عدت للتفكير في عبد القادر ومصيره الأسود، وهل سيعود إلينا مُكبّلاً أم جثة هامدة؟! سامحه الله، ألم يكن في مقدوره أن يصبر قليلا حتى أكتشف مكان الناقة الحلوب، أغلقتُ عينيّ في محاولة لتقليده، وضحكت واستعرضت كل ما جمعني به في هذه الرحلة منذ اليوم الأول، وذاكرتي اللعينة ما كانت لتغفل عن شيء يراه بصري...لم أسعَ لذلك ولكن ما التصق بذاكرتي أخذ يترابط ليشكل صورة واضحة ما كنت لأستوضحها لو نظرت لكل حدث بمعزل عن الآخر، فضحكت وذهبت إلى قبر سلامة الذي لا يبعد عنا عشرين مترا لأقرأ على روحه الفاتحة، وأدعو الله أن يرحمه، وجلست بجوار القبر وحرصت أن أعطي ظهري للقافلة وقلت:

- رحمك الله يا سلامة وجعل الجنة مأواك، لقد أقسمت أن أعتني بصاحبك طبيلة، ولن يجوع أبدا، وصديقك عبد القادر بارك الله فيه قضى ساعات ليعد لك قبرا مريحا، حتى أنه حين أرسلت له سالم ونعمة ليساعداه، كان يرسلهم بعيدا لجلب الحجارة، وفعل ذلك طمعا في الثواب، والقبر الذي بناه لك يليق بولي صالح، ولكن صديقك المسكين قد اشتد به الحزن على فراقك وهرب، وما كان لأحد أن يكتشف غيابه لولا هيجان جمل ملعون تسبب بفضح أمره قبل عبور النهر، كنت أتمنى لو أن صديقنا عبد القادر قد هرب وأخذ معه جرة ذهب صغيرة تكن له عونًا في حياته، ولكن لم يخطر ببالي أنه سيتجاوز أحلام الجميع المتواضعة في السرقة، هذا جشع وطمع لا يقبله عقلي الصغير!


<<<<<<< نهاية الحلقة 33>>>>>>>>



© 2023 by JarretDahab