جرة ذهب -الحلقة الثانية والثلاثون

تم التحديث: 3 مايو 2018

#جرة_ذهب_الحلقة_32

بعد راحة الجميع وتعبي استطعت سرقة عدة ساعات للنوم، وبعدما انتصف الليل جهزنا القافلة للرحيل، وتسللنا كاللصوص تجاه الشمال بقيادة كاظم، سرنا لساعات برفقة الدواب التي زاد عددها في الوقت الذي قل فيه عدد البشر. وبعد عناء استطعنا الوصول إلى منطقة منخفضة محاطة بالجبال، ويتخللها سيل ماء يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولكنه كان نعمة من الله وراحة لمن يعتني بالدواب.

هذه المرة نصبنا عددا أكبر من الخيام، مما دل على أننا سنمضي أياما دون رحيل، واختيار الموقع كان مثاليا من كل النواحي، ماءٌ وظلال، ومكان منعزل تحيط به تلال متلاصقة، وأصبحت الوريث الشرعي لعرش المؤن، فأنا خادم جودت الوفي، وعبد الـ "قاقا باقا"، فمَن يمكنه منافستي! المؤن كثيرة واحتاجت لأربع خيام، ومن يرغب ألا يقرصه الجوع فيتوجب عليه تملقي، وإلا سيكون لي شأن معه، وما عدت بحاجة لمراقبة حقائبي خوفًا من سرقة ما فيها، فاليوم ستنام معي في خيمة خاصة تليق بمكانتي المرموقة، والأوباش سينامون بالعراء.

أشرقت الشمس وفتحتُ أبواب الخيام وأرسلت في طلب سالم، وبدأت ممارسة عملي الجديد للمرة الأولى، ووزعت حصص الطعام على الجميع بالتساوي، فلم أرغب في معاقبة أحد منذ يومي الأول، وأصدرت أمرا بتعيين سالم مساعدا لي، وحارسا للخيام في غيبتي، فأنا لست أحمقا مثل بيبرس لأئتمن هؤلاء اللصوص، وبعد أن انتهيت من توزيع الطعام خصصت لسالم مساعدي حصة أكبر، وطلبت منه مباشرة عمله في الحراسة، وذهبت لخيمة الكعب لأستأذنه بإشعال النار وإعداد إفطارٍ شهي له ولنعناعتي، اقتربت من الخيمة وسمعت أصواتا عجيبة:

- (هوو اه ووو ايه هوو يااا).

لم اشك هذه المرة بأن أحدا يستغيث ويتوجب علي إنقاذه، فهذه الأصوات تدل على حدوث "قلة أدب"، امتعضت قليلا فلا يجوز حدوث مثل هذه الأفعال المشينة بالصباح الباكر! تملكني شغف التلصص، ولكني أردت العودة لولا أني تذكرت أن عيني بيبرس قد أغمضت إلى الأبد ولن تراقبني ثانيةً... ولا بأس من التلصص قليلا عما يدور داخل الخيمة من الـــ"هووو والآي"...أسترق النظر عبر شِق في ساتر الخيمة، نظرت ورأيت أبشع مما تخيلت؛ الجميلة والمسخ في تلاحم عنيف حتى كادت تختنق، وهو لا يتوقف عن الاهتزاز فوقها...لم أرَ منه إلا مؤخرته العارية، أنتظر أن يميل قليلاً لأغور بناظري في جسدها اللَّين، فأفزعني صوته:

- ماذا تريد يا عزيز؟

تجمد الدم في عروقي وذهبت حرارة جسدي، كيف رآني هذا المسخ! أيمكنه رؤيتي عبر فتحة مؤخرته القبيحة! أم له بها عينان يختفيان خلف هذا الشعر الكثيف! لم أجد مفرا من إجابته:

- جئت أسألك إن كان بإمكاني إشعال النار لأعد لك الإفطار.

يهتز صوته باهتزاز جسده:

- اقترب أكثر لا أسمعك جيدا.

فأعدت السؤال مرة أخرى، فقال:

- ادخل الخيمة لأعطيك شيئا.

تصنَّمتُ مكاني ولم أتحرك، فرفع صوته:

- ادخل يا عزيز.

لم يكن أمامي سوى الدخول، ولكني أغلقت عينيّ حتى لا أرى، ويبدو أنه التفت نحوي قائلاً:

- افتح عينيك وخذ الكبد من ذلك الوعاء الفخاري، واقليه ولا تتركه ينضج كثيرا.

انفتحت عيناي على استحياء وخوف في آن واحد، فأخذت الكبد وخرجت، ولم يستتر أو يتوقف عن الرقص فوقها، ورغم تلاقي عيني بعينيها إلا أنها لم تشعر بحرج مما رأيت.

عدت إلى سالم خادمي الأمين، والذي اجد نفسي مضطرا لتلقيبه بالمساعد فهذا الأحمق يتحسس من المسميات وطلبت منه إشعال النار...ما أفقتُ من تأثير رؤيتي لجسدها، وكأنه أصابني بول ضبع -على قول سلامة شفاه الله- كنت أحمل الكبد وأسير تائهًا، فيسألني سالم عمَّا أحمله في يدي، فأتركه وأسير في اتجاه آخر، فيتبعني مُكررًا، مرات ومرات؛ أسير ويتعقبني حتي وقف أمامي وهزني، فقلت:

- لا أدري لا أدري.

فيقول:

- كيف لا تدري شيئًا عن شيء تحمله؟!

عاد رشدي فجأة، ودبت القشعريرة في جسدي فألقيت الكبد بسرعة، وسألته مُستغربًا:

- ما هذا؟ ما هذا؟

استجمعت شجاعتي وحملت الكبد مجهول الهوية وغسلته من التراب، وأخذتني الرهبة من أن يكون كبدًا بشريًّا؛ فتفقدت كل زاوية لأتأكد من كون الجميع على قيد الحياة، حتى أني تسللت إلى خيمة جودت لأتأكد من وجوده، وأيقنت أنه كبد حيوان أو بشر خارج القافلة ، ولم أجد داعيا للتفكير، فهو لا يتوقف عن التجوال بعيدا عنا.

أعددتُ الكبد وبصقت فيه حتى جفَّ حلقي، ولوهلة كنت سأطلب من سالم أن يبصق أيضا، ولكن ما كنت لأئتمن سذاجته، وأخذته إليهما وأصرَّ أن أشاركهما الطعام، وما كان أمامي مهربًا، لم يصبني القرف من بصاقي، ولكن من مجرد الظن في كونه كبدًا بشريًا كان كافيا ليدفعني للتقيؤ.

نعناعتي الحنونة أخذت تقطع من الكبد وتطعمني بيدها أمام الكعب، ولم يتوقف عن الابتسام، وعندما وصلت إلى حد الهرب سريعا أو التقيؤ على الطعام، خرجت مسرعا بحجة أن جودت ينتظر قهوته، وانزويت خلف الخيام وأخرجت كل ما في معدتي دفعة واحدة.

أعددتُ القهوة، وذهبت إلى جودت، وجلبت له البسكويت من صندوق بخيمته؛ وهو طعامه في الصباح مثل روهان، وكان مُفعمًا بالحيوية والنشاط، وبمزاجٍ عالٍ...طلب مني إحضار بعض الجرار، فأخبرته أنه لم يتبقَ لدينا، فقال:

- أحضر ممَّا جلبناه من المعسكر.

وهنا أدركت أنَّ حمْلنا عشرات الجرار الملآنة بالتمر لم يكن الهدف منها حفظ التمور، وإنما لتمويه النظر عن حاجتنا لجرار فارغة، وبغباء سانتوري سألته:

- وماذا أفعل بالتمر يا سيدي؟

فقال:

- جِد له مكانًا مناسبًا، أو أطعمه للدواب، افعل ما ترى.

ذهبتُ وجلبتُ تسعةً من الجرار بعد إفراغها من التمور، وملأتُ ثلاثةً منها بالذهب فقط، وتركتُ الباقي بالخارج، لم ندفن شيئًا بالخيمة، وطلب مني الجلوس، فعلمت أنه أراد التسرية عن نفسه، وبدأ بأسئلته التي لا ينشد من ورائها إلا الضحك على غبائي قائلا:

- من تُفَضِّل أن تتحالف معه الألمان أم الإنجليز؟

فأجبته:

- الألمان يا سيدي لأنهم أطول قامة.

ضحك وسألني:

- وكيف تعرف ذلك؟

فبدأت أشرح بالتفصيل عن استقبالي لبعثة ألمانية، وقبل أن أكمل حديثي قاطعني وقال:

- أرجوك يا عزيز لا تذكر أمامي ما له علاقة بالآثار ومكانتك العلمية، حتى لا تعكِّر مزاجي.

لم أجد ما أقوله فالتزمت الصمت، ثم سأل:

- يا عزيز، لو كنت قائد جيوش السلطنة، فماذا كنت تفعل لتقضي عنا الديون التي تراكمت علينا؟

لم أجبه حتى أعاد السؤال وشرحه بشكل مبسط، فقلت:

سآمر جيشنا العظيم -نصره الله- بقتل كل العرب لعنة الله عليهم، ومن ثم قتل كل أهل مصر، ومصادرة دوابهم وبيعها.

ضحك وقال:

- أهل مصر أيضا عرب يا عزيز، ولكن أخبرني لماذا تكره العرب؟

حقيقة أنا أكره العرب مثل أغلب الأتراك وأزيد عليهم قليلا أنا وعائلتي، بسبب مقتل شقيقي الأكبر، أخبرته بالحقيقة ولم أكذب، لم يبدُ عليه أنه مُحب للعرب، ولكنه استاء من تطرفي وعلَّق قائلا:

- قتل العرب وبيع دوابهم لن ينقذ دولة تحتضر، ومستشارون من أمثالك أحاطوا السلاطين وأوصلونا إلى هذه الحال، اذهب يا عزيز وسأستدعيك إن احتجتك.

أدركت أني لم أوَّفق في الترفيه عنه، ولُمتُ نفسي على مشاعري التي أفسدتْ دور المهرج الذي كنت أتقنه...مرتْ ساعة ثم خرج من خيمته واجتمع بالكعب، ثم ناداني وطلب أن أجمع كل مَن بالقافلة لأمر هام، ففعلتُ ما أُمرتُ، ومرض سلامة وهوسه بقدمه منعه المشاركة.

أخفيتُ دفاتر روهان والحجر، عندها حدث ما توقعته ولم يتبادر إلى ذهن أحد؛ طلب من الجميع الوقوف وإخراج ما في جيوبهم وما يحملونه معهم ووضعه على الأرض، وفتَّش الكعب متاع الجميع بلا استثناء، وعاد محمّلاً بما وجده من ذهب، ولم يكن هناك اهتمام بمعرفة صاحب المتاع، أو مَن أخفى الذهب...ليس مهمًا إن كان الشخص بريئًا أم مذنبًا.

خرج من الجيوب الكثير من الأغراض، وقبل البدء في التفتيش طلب جودت من عبد القادر العودة للاعتناء بالدواب، وهذا دلَّ على أنه راقب جيدا ما حدث وأن عبد القادر –بالفعل- لم يقترب من الذهب، بل فضل الابتعاد والبقاء مع الدواب، بادرتُ وأخرجت ما في جيوبي من بسكويت وشوكولاتة، ولكنه أشار لي وطلب مني الخروج من الصف، وهذا دلَّ على أنه لاحظ أيضا عدم اكتراثي بالذهب، وعلى ثقته بي التي منعتْه من تفتيشي.

الأمهق الحزين أول من تم تفتيشه، وكان غبيًا في حمله ما يزيد عن خمسين قطعة في جيبه، ومساعدي اللعين سالم -سود الله وجهه- كان محشوًا بالذهب، وحين انتهى جودت من تفتيش الجميع ابتسم الكعب وقام بتفتيشهم مرة أخرى، وكان خبيرًا فأخرج صرة فيها أكثر من خمسين قطعة أخفاها أحدهم خلف مؤخرته، وصرة أخرى أخفاها آخر في ملابسه الداخلية، وآخر تحت إبطه، ولم يسرني أن سعدون ونعمة قد نجوا بالذهب، ولم يُكتشفْ أمرهما، وطبيلة الوحيد الذي لم يفتِّشه أحد، فمازال يحمل الذهب ويلعب به على مرأى من الجميع، ولم يكن من اليسير إقناعه بالتخلي عنه...حملتُ ما تم جمعه من ذهب والكم الأكبر كان مخفيًا في متاعهم، وكان يزيد عن ثلاثة آلاف قطعة أخذتُهم إلى خيمة جودت، وكنت على قناعة بأن الكثير من الذهب مازال مخفيا، لم يتم توبيخ أحد، وكأن أمرا لم يحدث؛ فمِن العبث أن يتم عقابهم مادام قد خُطط لذبحهم جميعا.

أحبُ الوقوف كثيرا بجوار نعمة القبيح صاحب العينين الساحرتين، وهو مغمض العينين، لأغتر بوسامتي مقارنة به، لسانه السليط لم يرحمني، وأحمل له في قلبي من البغض الكثير، فهو من أطلق عليَّ لقب عزيز ناقة، بسبب بحثي الدائم عن الناقة الحلوب، واستطاع أن يوقعني في فخ لن أنساه أبدا؛ حين هاجت الجِمال وبدأت في عضِّ بعضها صرخ بأعلى صوته:

- أبعدوا عزيز حتى تهدأ الجِمال.

ابتعدتُ، وسخر مني الجميع وترسخ في عقولهم لقب "عزيز ناقة"، لم أفهم قصده -وقتها- بأن الجمال تتنافس وتثور من أجل الفوز بأنثى، ومذ يومها وأنا أراقبه جيدا وأتحين الفرصة للإيقاع به...بعد انتهاء التفتيش وعودة الحياة لطبيعتها، ذهبتُ إليه فرحب ساخرًا:

- (هلا هلا بالغالي والله التبن يرخصلك يلعن أبو المصاري)

ابتسمت بثقة وقلت له:

- لا حاجة للعلف يا نعمة، أريد فقط أن تعطيني الماء ليشرب منه جودت أفندي.

حاول إخفاء ارتباكه وقال:

- (غالي والطلب رخيص بس النبع جف!)

فقلت له:

- سيكتفي بما في قِربتك الجلدية.

ارتبك وقال:

- (ضاعتْ مني، لا يضيع منك غالي...)

فقلت له:

- إذًا سأطلب من جودت والشيخ طبرق مساعدتك في البحث عنها.

فأعلن استسلامه وعلم أني كشفت سر الذهب الذي يخفيه في قربته، وتحولت من عزيز ناقة إلى عزيز أفندي، وأعلن ولاءه التام مقابل ألا أفضح سره، والمهمة الأولى التي أوكلتها له هي مراقبة سعدون، والكشف عن طريقته في إخفاء الذهب، وسرَّه ذلك، ثم عدتُ إلى خيمتي فرحًا بما أنجزته اليوم، وأخذت أرتبها من جديد، ومعها أفكاري، أيامُ وسألتقي بروهان بيك، وسأقص عليه مغامرتي وما أنجزته من تقمصي لشخصية السانتور، لن أخبره بكل شيء، سأخفي عنه ما قد يتسبب في حرجي.

اقتحمتْ نعناعتي الحسناء خيمتي وأفكاري، وأخبرتني أن الكعب قد ذهب بعيدا، ولن يعود قبل المساء...انبهرتْ بنظافةِ خيمتي ونظامِها، وجلستْ على الفراش بجواري، وبادرتْ بخلع ملابسي فاستسلمت لها، ثم أخذتْ تتجرد من ملابسها قطعةً تلو الأخرى وتلقيها على وجهي، فأسكرتني رائحتها...أمطرتُها بالقبل، والتحمنا فتأوهت:

- عزيز عزيز.

ذبتُ خجلاً عندما انتصب فوقي اللعين سالم مُقتحمًا خلوتي...لقد رآني عاريا، ولم يتوقف عن تكرار: عزيز عزيز، سترتُ عورتي نفسي على عجلٍ، ولم يكن هناك حاجة لأستر نعناعتي وليدة خيالي، وصرخت:

- ما بك؟

والأحمق سألني:

- لماذا أنت عارٍ؟

فلم أجد ما أجيبه به سوى أني أستعد للاغتسال، فسأل في سذاجة:

- وأين الماء؟

وهنا حسمت الموقف وسألته عما يريد، فقال:

- لقد طُلب منا أن نستعد للرحيل...

اللعنة عليهم جميعا، ارتديت ثيابي وخرجت لأستوضح الأمر، وتبين أن كاظم قد عاد وطلب من جودت نقل المخيم أعلى الوادي، فأشرفتُ على تحميل خيام جودت، ولم أشرفْ على تحميل متاع نعناعتي.

أثناء صعود القافلة تجاه أعلى السيل سقط سلامة عن الحمار، واقتربت منه كغيري وأشفقتُ على حاله عندما أصابتْ أنفي رائحةُ العفن الكريهة المنبعثةُ من ساقه...تعلَّق نظر سلامة بالكعب كما تعلَّق نظر الكعب به...أشعر أن خنجر الملعون سيزور عنق سلامة قريبا؛ ففي هذه القافلة لا مكان لعاجز...بلهفة صامتة حمل طبيلة صاحبه وضمَّه إلى صدره، وترك رأسه يتدلَّى فوق كتفه...كان مشهدًا مؤثرا مُفعمًا بمشاعر حانية تفوق أضعاف ما نحمله في صدورنا جميعا...الطريقة البلهاء التي طوَّق بها صاحبه كانت أشبه بأم تحتضن ابنها المريض، وقد فقدتْ عقلها حزنًا عليه.

ألفا متر هي المسافة التي قطعناها، واستغرقت منا ما يقارب النصف ساعة وربما أقل، وعدنا لنصب الخيام من جديد، ولم يكن المكان بفساحة الأول؛ فقد ضاق السيل، وكادت تخنقه التلال، فاحتجنا مساعدة طبيلة في نقل الصناديق ولكنه رفض إنزال سلامة، فتركناه وشأنه، وتكبدنا العناء...نتناوب على حمل الصناديق ونقلها، وكلما حطِّ أحدُنا صندوقًا نظر إلى طبيلة وازداد حزنًا عليه وشفقةً على صاحبه، ثم يعود لحمل صندوقٍ آخر، ومع انتهائنا أيقن جميعُنا بأن ما يقوم به طبيلة يحتاج عشرةً منَّا لفعله.

طلب مني جودت إعداد القهوة، ففعلت، وفي طريقي إليه رقَّ قلبي كثيرا تجاه طبيلة، فمازال يحمل صاحبه ويضمه إلى صدره، وللمرة الأولى عاينت الدموع تسيل من عيني هذا العملاق، فذهبت إلى عبد القادر وهو الوحيد بعد سلامة الذى تمكن من التواصل مع طبيلة، وكيف يعجزه ذلك وهو القادر على إتقان لغة الدواب! طلبتُ منه أن يحدثه كي يترك سلامة ليرتاح قليلا، فأخبرني بمحاولته ولكنه لم يفلحْ، وطلب مني تركه حتى يتعب وينزله من تلقاء نفسه، ولم تمر دقائق حتى سمعتُ نعمة يردد بأعلى صوته:

- إنَّا لله و إنَّا إليه راجعون، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

هرعنا جميعا تجاهه، وكان يتفحص سلامة واقفًا، ومازال طبيلة مُصرًا على عدم تركه، وعندما اقترب عبد القادر ولمسه بكى، وارتفع عويله:

- رحمك الله يا سلامة.

اجتاح الجميع حزنٌ عميقٌ، وذرفتُ دموعًا صادقةً، لقد شعر طبيلة المسكين بموت صاحبه منذ اللحظة الأولى فحمله وحرص على ضمه إلى صدره لأكثر من ساعتين، ولم يجد طريقة ليخبرنا بها، شعرتُ بالكثير من تأنيب الضمير على كل ما قمت به تجاه سلامة، وبعد جهد جهيد أقنعنا طبيلة بأن ينزل صاحبه، وتجادل نعمة وعبد القادر حول الطريقة المناسبة للدفن، وهنا اقترب الكعب منا ونظر إلى سلامة وتأكد من موته وحسم الجدل وقال:

- البقاء لله، يرحمه الله، إكرام الميت دفنه، احفروا قبرا وادفنوه كما هو، وسيُحتسب عند الله شهيدا، هيَّا تحركوا.

كان عبد القادر أكثرنا حزنا وألمًا، فذهب بنفسه واختار مكانًا بباطن التلة لن تصله المياه وحفر قبرا، وذهب سالم ونعمة ليساعداه، وبقيت بجوار طبيلة ونعناعتي التي تأثرت وبكت كثيرا، حاولت التخفيف من ألم طبيلة فذهبت إلى خيمة المؤن وأحضرت له الكثير من الطعام والتمر، حتى أني جئت له بالبسكويت، ولكنه فاجأني بالرفض، وما كان ليفعلها سابقا، ولم تفلح كل محاولاتنا للتخفيف عنه أو إقناعه بتناول الطعام...عاد عبد القادر بعد أن بنى قبرا يليق بولي صالح استغرقه بناؤه أكثر من ساعتين، ثم أمَّ المصلين لصلاة الجنازة ولم يصطف طبيلة بل وقف بجوار جثة سلامة ينظر إليه ولم يحرك ساكنًا، وبعد انتهاء الصلاة والدعاء لم يسمح عبد القادر لنا بحمل سلامة، وأراد أن يوهم طبيلة بأنه مازال حيًا، فأجلس جثة سلامة وأخذ يتحدث إليها، وطلب مني أن أصحب طبيلة لنأتي بالماء لسلامة فرفضت وطلبت من نعمة أن يذهب مع طبيلة؛ لستُ أحمقا لأكون هدفا لغضب هذا العملاق حين يكتشف خداعي.

أشغله نعمة حتى انتهينا من دفن سلامة، ولم أفهم كيف استطاع عبد القادر إقناع العملاق بأن صاحبه قد ذهب وسنلتقي به لاحقا، وربما لم يقتنع وأدرك موت صاحبه فاستسلم للأمر الواقع...زادت شفقتي على ذلك العملاق البائس، وبالرغم من خوفي من ضخامته حرصتُ على البقاء بالقرب منه ولكني لم أفلح في التواصل معه، فتذكرتُ ما تعلمتُه من عبد القادر؛ فالخيول تفوق البشر في شعورها بمن يحبها، فحاولتُ أن أجد لمشاعري طريقًا إلى قلبه، وكانت نعناعة أكثر نجاحًا مني؛ ربما لأنوثتها، ربما لأنها تصدق في حبها لكل شيء، ربما لأن قلبها يخلو من الشر، شرب من يدها وأكل حبة تمر واحدة، وأعتقد أنه ما فعل إلا إرضاءً لها.



© 2023 by JarretDahab