جرة ذهب - الحلقة الواحدة والثلاثون

تم التحديث: 3 مايو 2018

#جرة_ذهب_الحلقة_31

ابتسم الكعب وأشار بإصبعه إلى القمر، وكان قد اكتمل بدرا.

فقال جودت:

- لم تتبقَ معنا جرار، والبدر لن يرحل غدا.

رد عليه:

- بالنسبة لك لن يرحل، بالنسبة لي ثمن هذه البدر غالٍ، وأرجو أن تقوم بعملك لأقوم بعملي.

بعدما اتفقا على استبدال الجرة بصفيحةٍ اعتدنا ملأها ماءً رافقت جودت داخل الخيمة وبعدما ملأتها لم أتمكن من حملها إلى خارج الخيمة، فساعدني في جرها، ثم طلب من أحدهم أن يحملها معي على الحمار، وهتف للأمهق ليرافقنا، وهنا اعترض الكعب قائلاً:

- هذا اليوم خاص بي، وأحتاج إلى بعض الخصوصية، بإمكان عزيز مرافقتي، وبعد ذلك سيصحبك لإنهاء عملك.

لم يعترض جودت، ويبدو أن وجودي برفقة الذهب كان كافيا له، تركناهم وتوجهنا إلى خيمته، واستغربت طلبه من خادمه أن يستعد ليرافقه، وزادني غرابة تلك الفرحة التي غمرت نيروز عند قولها:

- شكرا حبيبي.

يأخذني الشرود قليلاً في حاجته لخادمه المُصاب، أيعقل أن يذبح مُنقذَ حياته؟! لم يراودني الشك وحدي، فخادمه ارتعب متضرعًا لنيروز:

- لا تتركيه يأخذني...أرجوكِ.

وهنا عضت على شفتيها وأشارت بالسبابة نحوه وقالت:

- ستذهب معه وإلا لن أتحدث معك في حياتي يا بيبرس.

ابتسم الكعب وانحنى وجلس بجانبه، وبحنان أبوي حمل رأسه وضمه إلى صدره، وأخذ يمسِّد عليه قائلاً:

- لا تخف يا صديقي، لن أتخلى عنك أبدا، فلولاك لكنت الآن في مكان آخر، اطمئن سننهي عملنا، وسأصحبك لأقرب طبيب ليجبِّر ساقك ويخفف من آلامك...

تأثَّر كثيرًا بالعواطف الجياشة التي فاضت من سيده، وتأثرتُ أيضًا بهذا الممثل البارع...أدخلت حمارا داخل الخيمة، وتساعدنا في رفعه، وربطنا وسادة ليسند ساقه إليها، وودعتنا نيروز وانطلقنا نجر خلفنا حمارين؛ أحدهما يحمل ذهبا والثاني يحمل بيبرس.

مشاعر غريبة تجتاحني وأفكار شاذة تدور في رأسي، دفعتني لأتساءل هل هذا أنا عزيز الذي كنته قبل خمسة وثلاثين يوما؟! ماذا يحدث لي؟ يا الله! ماذا فعلتْ القافلة بي؟! ما هذه المشاعر الغريبة! لقد فرحت وطربت وامتلأت بالحماس والنشوة حين شككت أنه سيذبح خادمه، وشعرت بخيبة الأمل والحزن لمجرد الشك بأنه لن يذبحه، هل من المعقول أن وحشا سكن أعماقي ونام في هدوء منتظرًا خروجه إلى العلن؟! هل غضبي من أولاد الحي وكل من حولي صنع هذا الوحش؟! لماذا لا يرعبني الموت كما اعتدته من فعل دولت كل ثلاثاء؟!

حينما سقط الكعب عن الجرف فرحت كثيرا، إلا أني شعرت بأن جزءًا مني قد ذهب معه، لو كنت أؤمن بهراء الـ "قاقا باقا"، لقلت إن هذا جراء تأثيرها عليّ، ولكني لن أبلغ هذه الدرجة من الحمق، ولن أتوه بعيدا لأبرر ما أشعر به، هذا أنا بطريقة أو أخرى، ولم تكن القافلة سببًا...نعم قد ساعدتْ أن تُخرج أسوأ ما فينا، ولكن لم تصنعه من البداية...ولِمَ التلذذ بالموت! هل يعقل أني أجد به ما يسد الفراغ من عقد النقص التي أشعر بها؟ ربطة العنق وتقمص دور الباشوات ملأ كل حياتي، وحينما افتقدته خرج شبح الموت ليسد ذلك الفراغ.

لا وألفُ لا، أن أعيش تلك الكذبة طوال حياتي خيرٌ من أن أسبح في دماء البشر، لا! أنا أبسط من تقبل هذه الأفكار، لا أذكر يوما أني تجرأت على شتم أحدٍ علنا، ولم أدافع عن نفسي أبدا، كنت خاضعا للجميع، وكل حروبي خضتها في خيالي، كنت ماكرا لعينا أتلصص...أتجسس، ولكن ما اجترأت يوما على أذيَّة أحد!

ما أشعر به الآن ربما لا يكون أكثر من سحابة صيف، وهمٌ آخر أحمي به نفسي من الشرور التي تحيطني، وَيلي إن كانت هذه حقيقتي! اعتقدت أن ذبح خلدون ورشيد سيدمر حياتي، والآن أعود كل ليلة بإرادتي لأستمتع بكل لحظة عشتها...جسدي الهزيل وقصر قامتي، وفقري وحرماني، وطفولتي البائسة، كل هذا اجتمع ليصنع وحشا! ما كنت لأمانع أن يعيش في خيالي، أمَّا أن يتجسد هذا الوحش على أرض الواقع...فهذا أمرٌ آخر...لا أريد أن أصدق أن توهمي وتخيلي أنني جبار في معارك وهمية قتل داخلي ذلك الكائن الضعيف، وغذَّى ذلك الوحش الذي يستلذ ويكاد يسكر من رائحة الدماء، كل اللعنة على التخيلات، ألم أتخيل دومًا أنني باشا من سلالة عريقة! ألم أعش هذا في واقعي...مظهري... ومعاملاتي! ألم أكره أن تتعرى حقيقتي، كما حدث عندما أهانني روهان بعد خروجه من الكهف! وقتها لم أفق ولم أتنازل عن باشويتي المزعومة، ولكني اندفعت أفكر في تبرير كاذب لأحافظ على كذبتي...كثيرًا كانت متعتي بجسد نيروز في خيالي، وأخاف أن حرماني، وتعاظم شهوتي في مخيلتي يصنع وحشًا حقيقيًا من نوعٍ آخر... آمنت قديمًا أن ذاكرتي تدمرني، والآن أصبح خيالي...

أغمضت عيني ودعوت الله أن يأخذ الكعب خادمه إلى طبيب، ويجنبني اختبارا جديدا لشهوة دموية أعتقد في أنها تمكنت مني...أفضِّل أن أكون كائنًا ضعيفًا مُهانًا من الجميع على أن أكون مسخًا متوحشًا مثل ذلك الكعب.

لم نبتعد كثيرا، وكان يعرف وجهته جيدا، اقتربنا من مغارة...حفرنا بجانبها سويا، وأثار إعجابي بقوته، وتلك هي المرة الأولى التي يحفر فيها بنفسه، ربما لأنه أدرك أني بمفردي لن أتمكن من إنجاز حفرة كبيرة لاحتواء تَنَكة الذهب، انتهينا من الحفر، وكانت المفاجأة؛ حمار الذهب لم يتحرك، أما حمار بيبرس فقد اختفى، وجُنَّ جنون الكعب، انطلق مسرعا ناحية الجنوب، وأمرني بالانطلاق شمالاً للبحث عنه، وقد سهَّل البدر علينا الرؤية لمسافات بعيدة.

فضلت اعتلاء الصخور والانتظار بدلا من البحث، وتعريض نفسي لخطر الضباع، فتمكنتُ من رؤية بيبرس يزحف بين الصخور ليختبئ، والحمار اللعين على مقربة منه...سيكتشفه الكعب فور استدارته، وعلقتُ بين خيارين؛ الأول أن أذهب لأبعد الحمار، والثاني أن أنال رضى الكعب عني.

بعد تردد أمات نفسي وأحياها، وجدت أن إصابته جعلت احتمالية نجاته ضئيلة جدا، ولو لم يعثر عليه الكعب سيعود إلى القافلة ويكلف الحراس القريبين بالبحث عنه، وسيعودوا به لا محالة...أسرعتُ إلى بيبرس وفور رؤيتي بكي وتوسل كي أبتعد وأتركه.

هذا اللعين تفنن منذ اليوم الأول في إذلالي، ونصَّب نفسه سيدا عليّ، بل وحرمني من الطعام أكثر من مرة، وتسبب بموت رشيد وخلدون، فلا منطق في أن أُعرِّض نفسي للمخاطر من أجله، هذه ليست مشكلتي، هو خادم الكعب وشريكه بطقوسهما الشيطانية، أليس هو من وقف وقال خذ دمي وشرفني! ومع كل هذا جزء مني حثني على الابتعاد، ولكن تدخل القدر وبطرف عيني رأيت الكعب يهرول تجاهي، فلم يعد الخيار الأول متاحا، فرفعت يدي مشيرًا إليه فحضر يلهث، وأسعده الإمساك بطريدته، ربَّت على كتفي ولم يبق سوى أن يضع في فمي قطعة حلوة كصياد يكافئ كلبه.

بيبرس يبكي كالنساء، ويتوسله ليبقي على حياته، ومثل الكعب لا يحمل قلبا بين ضلوعه...أمسك بشعره الطويل وجره على الأرض، وبيبرس يستغيث بلا مُغيث، تردد صدى صراخه وكسر صمت الليل، وأيقظ الأموات من سباتها الأبدي، فدعوت أن يقتله سريعًا ليريحه من عذابه.

أدخله المغارة وجثم على صدره، وأمرني بإمساك يديه، وما كان أمامي خيارٌ سوى الانصياع، ركعتُ على ركبتي خلف رأسه وأمسكت بيديه وشددتهما، في انتظار أن يذبحه، ولكنه لم يفعل بل أخذ ينظر إليه في حنان، ويتمتم بكلمات غير مسموعة، وبعدها أخذ يمزق ثيابه ليكشف عن صدره، وحين اقترب نصل الخنجر من صدر بيبرس انتفض بقوة، وأفلت إحدى يديه، ولَكَم الكعب على وجهه، وبمقبض الخنجر بادره الكعب بعدة ضربات على رأسه، وكان حريصًا على إضعاف مقاومته وليس إغمائه، تمكنت من يديه ثانيةً، وغرس الكعب الخنجر في صدره.

كادت المغارة تنهدم فوق رؤوسنا من صرخة بيبرس فكتم المسخ صوته، وأغمضت عيني لبشاعة ما أرى، ولكن جزء مني كان يرغب في المشاهدة، شق صدره ونزع قلبه من مكانه وحمله في كفه، ومازال ينبض، والمسخ يحدق فيه، وعينا بيبرس تحدقان أيضًا...تراقب قلبه النابض...يفغر المسخ فاه... يغرس فيه أنيابه...يلتهمه...انفجر القلب...تدفقت الدماء الحبيسة...غطت وجهه...أصابت أنفي...وانهارت قدرتي على التحمل...تقيأت على وجه بيبرس، وكأن ذلك ما كان ينقصه وهو يودع الحياة! المسكين شرب بولي مساءً، وتقيأت على وجهه ليلا، لم يكمل المسخ أكل القلب، يبدو أنه قد شبع، والغريب أنه كرر أكثر من مرة:

- سامحني يا بيبرس كان عليَّ أن أشرفك بأكل قلبك.

لم أتأثر كثيرا، ولا شك أن روح بيبرس قد غادرته، إن لم يلتهمها أيضا، رفع جسده القذر من فوق صدره، وقد تخضب سرواله بالدماء، مدَّ كفه بالقلب الممزق نحوي وقال:

- تذوق يا خادم الـ "القاقا باقا".

فتقيأت ثانيةً فوق وجه بيبرس، فضحك الكعب بأعلى صوته، ثم انتصب وتعرَّى ومسح جسده وأعضائه القذرة بالدماء، وبدأت طقوس الرقص وهراء الـ "قاقا باقا"، وحينما انتهى طلب مني الركوع أمامه، ففعلت، ومسح وجهي بالدماء، ونزع من إصبع خادمه بيبرس الميت خاتما فضيا كبيرا وأعطاني إياه وقال:

- يا عبد الـ" قاقا باقا"، أقسِم بمنحي دمك وولائك...

فكررتُ ما طلب من هراء، وقلت سرًا: "يوما ما سأتبول عليك وعلى الـ "قاقا باقا يا ابن السقيطة"، جرَّ الجثة إلى الحفرة، وساعدته في حمله ودفنه مع تنكة الذهب، وانتظرتُ أن يعد مكانا وهميا آخر ليدَّعي ليضلِّل جودت عن مكان الذهب، ولكنه لم يفعل.

عدنا أدراجنا وفي الطريق لُمت نفسي قليلا لإخباره بمكان اختباء خادمه، ولكن سرعان ما وجدت ما يبرر عجزي، ويخرس ضميري، فأقسمت حينها ألا أروي هذه القصة لأحد من البشر، وأخذت أردد: ستعزَّز مكانتي في قافلة اللصوص والقتلة بغياب بيبرس إلى الأبد، هذا اللعين الذي لم يتركني أشعر بالراحة، والآن بإمكاني الاقتراب من نعناعتي متى شئت.

وصلنا المخيم وعدت مع جودت والأمهق لأدلهم على الكهف لرسم الخرائط ونقش الرموز، والتزم جودت الصمت ولم يسألني شيئا.

استرحتُ ثلاث ساعات أو أقل قبل بزوغ الفجر، ولم يصبر سالم حتى تنشر الشمس نورها الشمس وجاءني مزعجا منامي، لأعطيه ما اعتاد من حلوى، أعطيته عدة قطع وما كنت لأبخل عليه وهو يفعل كل ما أطلبه.

لم يكن هناك ما أفعله سوى تظاهر الاعتناء بنجمة، وقد مللت تمثيل هذا الدور، وحاولت سرقة بعض النوم وأنا جالس بجوارها، ولم أصحُ إلا على صوت جودت ينادي:

- عزيز تعال، عزيز هيا تعال.

أسرعتُ إليه ككلب يلبِّي نداء صاحبه، ورافقته من جديد، صعدنا المكان نفسه حيث التقينا الجنود، وكان حذرا، انزوينا نراقب من بعيد، وحين اقترب أربعة خيالة لم يتعجل مقابلتهم حتى تأكد أنهم قصده وبُغيته؛ ثلاثة برتبة ملازم أول، ورابعهم يوزباشي احتضن جودت طويلاً، ثم قال:

- اعتقدناكم عبرتم النهر دون المرور علينا، ماذا حدث؟ لِمَ كل هذا التأخير؟

فقال جودت:

- هذه قصة طويلة سأرويها لك لاحقا.

توجهنا جميعا إلى القافلة، وانطلقنا برفقتها على طرق سهلة في حراسة الجيش، وعلى مرأى من الجميع، فالمنطقة تخضع لنفوذ موالٍ لمن يقف خلف هذه القافلة.

سرنا ساعة أو أكثر، وإذا بالطريق تأخذنا تجاه المعسكر الذي تجنبنا الاقتراب منه من قبل عندما نشب الخلاف بين جودت والدليل كاظم، يومًا كاملاً أهدرناه لنبتعد عنه، وكل ما كنا نحتاجه هو مسير نصف ساعة للوصول إليه، هذا المعسكر كان المكان الذي توجب علينا الوصول إليه قبل أكثر من عشرة أيام، لذا لم يتوقف الدليل الذي يرافقنا عن الابتسام، وكاد يصرخ بأعلى صوته:

- لا تعلموني عملي أيها الحمقى.

عينا الكعب كان فيها الكثير من الشماتة لقرار جودت بالابتعاد والهرب من الهدف المنشود منذ البداية...لابد أن هناك مِن الجيش مَن هو موالٍ للقافلة، وهناك من يسعى للنيل منها، وهذا أحد أسباب الهرب والاختباء، وحذر الاقتراب من العسكر قبل التأكد من ولائهم.

لقد تبادر إلى مسامعي أن قافلة وهمية سارت باتجاه سوريا عبر الجولان، لتبعد الأنظار عن القافلتين، أما نحن فقد مررنا بجوار قلعة النبي موسى وتجاوزناها باتجاه جبل يطل مباشرة على البحر الميت، وهناك تربع المعسكر، وكان فيه ثلاثون خيمة، وعدد كبير من الدواب، وحفنة من الجنود، أسعدني أن جميعهم أتراك، ولم يسرني وجود خمسة أفراد من الفرق الخاصة ليبلغ عددهم مع مرافقينا منهم ثمانية.

عدنا للرفاهية؛ فالخيام تفيض بالمؤن من كل صنف، وبالرغم من بعدنا عن مصادر الماء، إلا أنه توفر بما يكفي ويزيد عن حاجة الجميع، حينما بدأنا نصب الخيام انسحب جميع أفراد المعسكر تجاه القلعة، للحفاظ على سرية ما تحمله القافلة. ولم يبقَ برفقتنا إلا اليوزباشي.

كان الجميع أوفر حظا مني في نيل قسط من الراحة، أما أنا فبدأت بإعداد الطعام لجودت واليوزباشي الأبيض صاحب العينين الزرقاوين، والشعر الأشقر، قصير القامة، ممتلئ الجسم، حليق الوجه في الأربعين من عمره، يبدو أنه نتاج علاقة بين ألمانية فارعة الطول وتركي قزم، مظهره يوحي بالبلادة، لم أجد له اسما يليق بهيئته، وعلمت لاحقا أن اسمه شكيب.

أعددت الطعام ولم أشعر بمرور الوقت، فكانت نعناعتي تساعدني، وكم كانت رائحتها تمدني بالقوة وتنعش حياتي على كونها بعيدة المنال! ولكن بعض اللمسات العفوية والخبيثة، كانت مثل لعق قطعة حلوى في رمضان، والصيام لبقية اليوم.

مللتُ منها قليلا؛ فلم تتوقف عن التساؤلِ؛ وماذا قال الطبيب عن بيبرس؟ وهل سيشفى سريعا؟ ومتى يعود؟...أجبتها عن كل أسئلتها بما تحب أن تسمع، ولكني كنت سأشعر بالسعادة أكثر لو تمكنت من إخبارها أن حبيبها أمير السعادين قد أكل قلبه حيًّا، ولكن قصة حياتها المأسوية تمنعني من فعل ذلك، كما أن خنجر الكعب لن يرحمني.

انتهيت من إعداد الطعام اللذيذ وقدمته لهما، ولم يتوقفا عن الحديث أو الأكل، شكيب كان يلتهم الطعام سريعًا، ودل ذلك على أنه لم ينشأ بأكناف عائلة راقية، أما جودت الأصغر منه سنا، فكان مثلا للرقي على المائدة، وهذا دليل أنه سليل باشوات، ولم يخْفَ عليّ أنه أرفع شأنا ومكانةً من شكيب، قبل أن تجمعهما المائدة.

أخبره جودت بأني مستشاره الخاص، وعالم آثار كبير متخصص في الأحذية الأثرية، وضحكا معا، وروى له الكثير من النوادر، وأصر أن أروي بعضها بنفسي، وبخاصة عندما هربت بفرسه لأسقيها الماء...لم أمانع أدائي دور المهرج لتسليتهما قليلا، اقتحمتُ خلوتهما مرات بغير استئذان، ولم يكترثا لوجودي، وما كان ليتوقف الحديث بينهما، ولا أعلم إن كان هذا لقناعتهم بأني أحمق سانتوري، أم لأنهم يعلمون بأني سأُدفن قريبا، ولا يهم ما يمكنني معرفته من أسرار.

ومن أطراف ما سمعت من أحاديث، أنه يتم جمع أكبر عدد من عرب سكان المنطقة للحرب القادمة، وأنهم مثل الأرانب لا يتوقفون عن الإنجاب، ومن ردود جودت:

- العرب نتاج عَفن الإمبراطورية، ولا يجب أن نلومهم على ما صنعنا.

لم أرَ في أغلب كلامه أي هجوم على العرب، بل أحيانا يدافع، وفي أغلب الأحيان يلتزم الصمت، لم أكن أسمع إلا أطراف أحاديث، ولكني اجتهدتُ في ملء الفراغات، وممَّا وعيتُه جيدًا أن معسكرات الجيش العثماني سيتم تفكيكها ونقلها في الأشهر القادمة الى أماكن تساعدها على الانسحاب عند الحاجة دون أن يصيبها ضرر مع الحفاظ على المظهر العام للوجود لحين الانسحاب، ونقل أكبر عدد من الجنود ذوي الأصول التركية للمعسكرات الجانبية، وترقية ضباط عرب من خارج المنطقة وتسليمهم مسؤولية داخل البلاد، وتجهيز ثلاث فرق من الجيش أغلبهم من الأتراك لحين صدور الأمر بالعودة وتحرير القدس، ومن تعليقات جودت:

- أخشى أن يتم خداع الباشا ونجد أنفسنا نحارب الألمان والإنجليز معا؛ فالإنجليز ليسوا أهلا للثقة.

ومما قاله شكيب:

- الباشا ليس أحمقًا، لهذا نعد جيشا وطنيا قادرًا على خوض معركة في حال عدم التزام الإنكليز بالاتفاق.

ما تناثر إلى مسامعي من حديث، إن هناك مؤامرة مشتركة بين جمال باشا والانكليز، وأن هناك حربا استعراضية يتم الإعداد لها قبل نهاية العام فور الاتفاق على الحدود، ومن أجلها يتوجب إبعاد عرب المنطقة وتفريغ المعسكرات، وبعد ذلك سيسمح الانجليز للباشا باستعادة القدس وجعلها عاصمة لدولته الإصلاحية، مع الحفاظ على تواصل جغرافي مع سوريا عبر الأردن...كل هذا الحديث لم يشغلني كثيرا، فلتحترق القدس ومعها كل العرب، وأكثر ما أهمني أنني لم أسمع حرفا واحدا له علاقة بدفن الذهب.

وأبهج قلبي كثيرا عندما عرفت أنه يتوجب علينا الانتظار عدة أيام لحين توفر الظروف المناسبة، وبعدها سنعبر نهر الأردن، وهناك ستنضم إلينا القافلة الثانية، وهذا يعني أن أياما قليلة تفصلني عن لقاء روهان بيك.


© 2023 by JarretDahab