جرة ذهب -الحلقة التاسعة والعشرون

#جرة_ذهب_الحلقة_29

لم تتوقف أسئلة الراعي الفضولية وكان الدليل بارعا في الرد عليه، وشرب الاثنان القهوة معا وكنت أعتقد أن هذه ستكون نهاية القصة، ولكن الراعي استرخى ولم يتبقَ إلا أن يطلب فرشة ووسادة ليأخذ قيلولته...كدت أضحك، وسرًا قلت له:

- (اهرب أيها الراعي وانفد بجلدك قبل أن تشرب عفاريت الـ "قاقا باقا" من دمك).

تبا لهذا الراعي، لقد التقط اسمي عندما نادني سالم، فوجَّه كلامه لي وقال:

- (وانت يا عزيز من أي عرب؟)

عجزت عن الرد عليه، فجودت والكعب قريبان، وأنا سانتور ولابد أن أجيبه بتلك السانتورية التي اعتدت عليها، فلا يجوز أن أتحلى بالذكاء فجأة، إلا أن الكعب أدرك أني سأفعل ذلك، وليس من المستبعد أن أخبره عن الذهب إن سألني، فقال له:

- هذا عزيز من عرب لحويطات بالأردن.

وما قاله شجع الراعي على فتح حوار جديد، فقال الراعي:

- (يا أهلا وسهلا، لحويطات أهل ونسب، وشو تعمل بالوديان يا عزيز؟)

وهنا غمزني جودت بطرف عينه فابتعدت مسرعا، حتى لا أفتح مجالا لأسئلته، ولا أريد أن أثقل ضميري بأن أكون السبب في ذبحه، استطاع الدليل كاظم السيطرة على سير الأحداث، وبدا أن الراعي لن يطيل البقاء، ولكن وقعت المصيبة، حيث خرجت نيروز من الخيمة، وأخذت تتبختر، واقتربت من الأغنام لتلاعبها، وقد انسدل شعرها على ظهرها، وحاول الراعي أن يغض بصره، إلا أنها كانت تسبق بصره وتعترضه أينما أشاح بعينيه لتطارد الخراف، فامتعض جودت كثيرا، وشعرت أنه يرغب في ذبحهبا على الفور، فقد أثارت فضول الراعي أكثر من الجمال والحمير، والخيام، وحتى الأمهق، فلم يعتد سكان المنطقة على رؤية امرأة لا تخفي شعرها، وتتجول بين الرجال بمثل هذه الحرية، وهنا وقف الدليل ورفع صوته وقال:

- (أعدِّوا الشاي لأخونا).

ثم تركه وانزوى مع الكعب وجودت، فأيقنت أن دماء الراعي ستسيل قريبًا، لم أسمع ما دار بين ثلاثتهم، ولكن كان بإمكاني التنبؤ بأنه لن يُسمح للراعي بالعودة إلى قومه، فما سيحدثهم عنه سيتسبب في جذب الكثير من الفضوليين للبحث عنا وتعقبنا، ولا أظن أن قافلتنا قادرة على سبق الأخبار إن انتشرت بين الرعاة.

انتهى الاجتماع وتعمد الكعب مجالسة الراعي، ولم يبدُ عليه الضجر، أما الدليل فقد انطلق مع مرافقه، وعاد إلينا بعد ما يقارب النصف ساعة، همس لجودت ثم عاد أدراجه، وعلى أثر ذلك اقترب جودت من الكعب وربت على كتفه، وغادرنا الراعي إلى المجهول وعليه السلام...

انتهت حالة الإرباك وعادت الأمور لطبيعتها؛ راحة، نوم، طعام، خدمة نجمة وجودت، وتعبئة ما تبقى من الجرار بالذهب دون تراب، تحركت القافلة قبيل غروب الشمس، وبعد مسافة تتجاوز الألفي متر، كان على جانب الطريق عدة نعاج مذبوحة، وآثار دماء تشير إلى اتجاه عكس ما نذهب إليه، كان واضحا أنها تُركت عمدا، ليتم تتبعها من قبل من سيهب للبحث عن الراعي، وبعد ربط الأحداث وتحليلها استنتجتُ أن الدليل قد ذهب في المرة الأولى ورتب الأمر مع من يتواجد من الغربان السود، ثم عاد وأخبر جودت بانتهاء الأمر، وبعدها انطلق الراعي وتم اختطافه مع قطيعه باتجاه معاكس لسير القافلة، وتم ترك آثار مضللة للباحثين عنه لاحقا، ولا بد أنهم سيصلون بعد يوم أو أكثر إلى أغنامهم وجثث أبنائهم، وسيعتقدونه من فعل اللصوص، وتتجه أنظارهم حيث أراد الدليل كاظم. هذا ما كنت سأفعله أنا، وفي أحسن الأحوال سيتم ترك الراعي حيا بعد ابتعادنا لمسافة يصعب بها تتبعنا، ولكن ما كان لمثل هؤلاء القتلة تركه يعود حيا.

شققنا طريقنا تجاه الشرق، وكانت الطرق التي تُجنبنا الاقتراب من الناس وعرة جدا، ويعدُّ السير فيها نوعًا من الجنون، ولانعدام الطرق كان لابد أن تسير القافلة عبر الأراضي المنبسطة، وكل نار نشاهدها من بعيد كانت تدل على وجود عرب، فلم نعد نسير وفق الإشارات التي يتركها الدليل، فهذه المرة سار بنفسه في مقدمة القافلة.

انشغلنا بالابتعاد عن السكان، فاحتار الدليل في أمره، وكأنهم احتلوا كل الطرق، ولخطورة مرور هذه القافلة الليلية وسطهم اضررنا إلى العودة للخلف، والبحث عن طرق بديلة، سبقنا الدليل واستدارات القافلة وعدنا لاتباع الإشارات التي تركها لنا، وهنا كانت مجموعة من الحجارة مصفوفة على شكل سهم تشير إلى الأمام، والسهم يقودنا عبر طريق ضيقة تنحدر بنا نحو واد...نرى بأعيننا طريقا أكثر انبساطًا إلى اليسار، تم شقها في باطن الجبل، وهنا وقعت البلبلة بين السهم وما تراه العين.

كان جودت حكيما وأرسل الكعب لتفحص طريق اليسار إن كانت تسمح لعبور الدواب، وبعد عودته والكثير من المشاورات والإشارت بالأيدي نحو الشرق، تم اتخاذ القرار، وقادنا الكعب نحوها، كانت الطريق واسعة وسهلة وعلى يسارنا وادٍ سحيق واسع، سرنا ما يقارب الساعة، ثم بدأت الطريق تضيق تدريجيا، وتزداد صعودًا، والوادي يضيق ويزداد عمقا، وانقطع الطريق بفعل عوامل الطبيعة ليترك لنا خيارين، إما السير تجاه الأعلى، وهذا الخيار كان ليكون مقبولا لو كنا نملك أجنحة نطير بها، والخيار الثاني هو العودة للخلف، ولن يكون ذلك سهلا لأننا وقعنا في مصيدة الطريق الضيقة، والدواب بحاجة لبعض المساحة لتتمكن من الاستدارة.

لم يخطر ببالي أن هناك خيارا ثالثا إلا بعد أن نبح الكعب، وطلب منا جلب المجارف والفؤوس لشق طريق خاصة بنا، كان قرارا جريئا لا يخلو من الجنون، ولكنه وقتها كان الحل الأمثل.

بدأنا العمل بجد لوصل الطريق المقطوعة، وحمدنا الله لوجود طبيلة الذي عوضنا عن غياب صاحبه سلامة المتمارض، وأنجزنا عملنا سريعًا وتمكننا من مواصلة السير...تضيق الطريق وتتسع، ويزداد الوادي ضيقا وعمقا، وخطوة واحدة في المكان الخطأ ستردي إلى الأسفل، وهنا وقع ما لا يمكن لعقل تفسيره.

وقف أحد البغال محملا بصندوق وأعلن تمرده، وأعاق مرور النصف الثاني للقافلة، ولم تفلح محاولات الجميع في إقناعه بمواصلة السير، وللمرة الأولى يتحدث عبد القادر ويبدي رأيا، فاقترح أن ننقل ما يحمله إلى دابة أخرى. ولكن وسط الضجيج لم يسمعه أحد، وغضب الكعب وتجاوز الجميع ووصل إلى البغل المتمرد وخلفه سار خادمه بيبرس، وأخذ يشتم ويصرخ بأعلى صوته لعجزنا عن إقناع البغل أو إجباره على التحرك، وأثبت أنه أكثر البغال بغولةً، فشده وسحبه، ونجح في إنهاء تمرده بالقوة، وما هي إلا ثوانٍ حتى انتفض البغل لكبريائه وأسقط الصندوق عن ظهره وألقى بنفسه من فوق الجرف، انتحر بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كان مدركا لما يقوم به، لم يتعثر، فقط قرر إنهاء حياته.

لم يقصدْ أن يأخذ الكعب معه إلى الوادي، ولكنه حين انتفض البغل تعثَّر الكعب وسقط وراءه، وخادمه الأمين أمسك بعباءته ولكنه لم يحافظ على توازنه فسقط وراء سيده، وتعثَّر جملٌ قريبٌ من البغل وسقط أيضًا، وكاد سلامة يسقط مع الحمار الذي أمضى أغلب وقته نائمًا عليه، لولا ستر الله وطبيلة الذي أعاد توازن الحمار في اللحظة الفاصلة. وأخذ سالم يردد:

- (دَّبْ الشيخ، دَّبْ الشيخ)

كل هذا حدث في أجزاء من الثانية، وبجهد جهيد سيطر الجميع على الدواب، وكأنها دعوة انتحار جماعية في ضوء القمر الذي قارب أن يكون بدرًا، مرت ثواني ثلاث، ولم يمنع الضجيج سماعنا صوت ارتطام البغل بالوادي...حزنت علي البغل، وسُعدت بالخلاص من الكعب وخادمه بيبرس، وأخذ سالم يردد:

- (دَّبْ الشيخ، دَّبْ الشيخ).

أطربني ما قال، ولكن ما إن صحونا من الصدمة ونظرنا إلى الأسفل حتى كانت الفاجعة الكبرى في انتظاري، على بعد أمتار أسفل الطريق، الكعب اللعين تعلق بصخرة وأركز جسده على أخرى، ولا يبدو أنه قد أُصيب بسوء، وبيبرس اللعين أسفله مستلقٍ على بعض الصخور، ولا يبدو أنه بخير، ودعوت الله أن يكون ميتا عقابا له على شدِّ عباءة الكعب وإنقاذ حياته، وحينما حرك رأسه علمتُ أن الحظ لم يصبني هذه الليلة.

أسعدني أن الصخور منعتْ سقوطَ الجمل، والمصيبةُ الكبرى التي أصابتْ جودت أفندي -أعانه الله على حملها- هي انكشاف أمر الذهب للجميع؛ فقد جلس على الأرض متكدر الحال، وهو ينظر إلى عشرات آلاف القطع الذهبية التي انتشرت على مد البصر، وعلق جزء كبير منها بين الصخور، والجزء الأكبر شق طريقه إلى الوادي المظلم العميق إلا أننا نرى بريق الذهب فيه. [Tk1]

نيروز كانت آخر من استوعب ما حدث، وحين وصل إلى مسامعها أن طبرق سقط في الوادي أخذتْ تنوحُ بِأعلى صوتها:

- طبرق، طبرق، لا تتركني يا حبيبي، لا تتركني يا سمو الأمير.

استوقفني قولها: "يا سمو الأمير" وما كنتُ لأمر عليه مِرارَ الكرام، انتشلنا المسخ سليمًا معافى، وعادت الحياة إلى الحسناء، ثم انتشلنا خادمه، وكانت بهجتي لأنه لم يكن سليما معافى؛ فقد انكسرت ساقه...ولا بأس في أن يدرك المرء جزءًا ممَّا يتمنى، وهذا سيكون كافيًا ليعجز عن مراقبة نعناعتي، وسأتمكن من الاقتراب منها.

لم يشغل بال أحد كيف يمكن أن ننقذ الجمل المسكين العالق بين الحياة والموت، من المُحال رفعه ولو اجتمعنا جميعُا على قلب رجل واحد، وأي خطوة ستأخذه إلى الوادي، لم يكن أمامنا إلا ذبحه والاستمتاع بلحمه في هذا اليوم، ولكن من سيخاطر بحياته! تمنيتُ أن يبتسم لي الحظ ويفعلها الكعب ويكون فيها هلاكه، ولكنه لم يفعل.

عاد الهدوء وسقنا الدواب لمسافة ثلاثمائة مترًا، وزاد الطريق اتساعًا، وبقي معها عبد القادر وخادم الكعب المكسور وسلامة وطبيلة، وعاد البقية لتبدأ لعبة صيد الذهب العالق بين الحجارة والصخور بتوجيهات جودت والكعب، وبمساعدة الحبال جمعنا جزءًا من الذهب، أما الأماكن التي استحال وصولنا إليها قمنا برمي الحجارة تجاهها لتسقط في الوادي السحيق، وحين أدرك جودت أن الوقت الذي نهدره بتَصيُّد قطع الذهب أثمن منه، طلب منا سرعة الخروج من الطريق والعودة إلى الوادي، لجمع الكم الأكبر من الذهب، وتركنا الجمل المسكين عالقًا بين السماء والارض ولا أدري إن كان مدركًا أنه يشرف على الموت.

أخذت منا الطريق ما يزيد عن الساعة وأبعدتنا عن الوادي كثيرا، فاحتجنا لنصف ساعة أخرى لنصله، وتبين أنه سيل أحدثته مياه الأمطار بين الجبال، وكان فيه أثر ماء لا أدري منبعه في مثل هذا الصيف، وانطلقنا في سباق لجمع الذهب الذي انتشر لآلاف الأمتار.

أشرقت الشمس من السماء والأرض، وسرق بريق الذهب العقول، وجُنَّ جنون القوم، وكان من الغباء الشديد الاعتقاد بأنهم سيتمكنون من سرقة قطعة واحدة وينجون بحياتهم، ومع ذلك فعلوا.

تحيط بالسيل صخور متعددة الألوان؛ الأسود والبني والأبيض، وترتفع لمئات الأمتار من الجانبين، وخيوط الشمس الذهبية أصابت كل قطعة من الذهب، ومَنْ كان قادرًا على مقاومة هذا السحر! حتى طبيلة سحره المنظر وبدأ يقلد جنون القوم، ويبدو أنه قد فهم أننا نجمع الذهب لأنفسنا، ولأن صاحبه سلامة مريض ولم يشاركنا، اعتقد أن من واجبه أن يجمع لصاحبه القليل من هذا المعدن اللامع، وكلما امتلأت كفه بالقطع ينظر إليها ثم يلقيها على الأرض، ويذهب ليطارد قطعا أكثر لمعانا، لم ير المسكين في الذهب إلا بريقا فقط، ولم يدرك أن كفه العملاق يحجب الشمس عنها، فيبهت لونها، مما كان يدفعه لاستبدالها في كل مرة بقطع أكثر لمعانا.

امتلأت الجيوب سذاجةً وذهبًا، وبعضُه تم إخفاؤه تحت الحجارة أملاً في العودة لاستخراجه، كنت أراقب كل ما يدور حولي، وجودت لم يغفل عن ذلك بالرغم من عجزه عن مراقبة كل هذه المساحة الشاسعة، وتلاشى بريق الذهب بعد جمع الجزء الأكبر منه، ولم يملأ نصف صندوق، أما الباقي فقد اختفى بين الأتربة والصخور.

اكتفى جودت بما تم جمعه ولم يخاطر بانكشاف أمرنا من أجل البحث عن عشرات آلاف القطع المتبقية، تحركنا بسرعة وقاربت الساعة على التاسعة، فهرولنا وركضنا لنبتعد عن السيل، ولا أثر لكاظم ليقودنا أو يدلنا على الطريق، فقد فقدنا أثره منذ الأمس.

بين الجبال والتلال وصلنا الى مكان ملعون، ولكنه فسيح ومثالي للاختباء ريثما يعود الليل لسترنا، لا ينمو فيه شيء، أرض جرداء، جبالها وتلالها ماتت منذ زمن، وتحلق فوقها الغربان، ملآنة بالصوان، والحجار الكِلْسية والسوداء، وكأن شهب السماء قد غزتها، مررنا من جانب صخور يفوق وزنها النصف طن مغروسة في الأرض، ولم أشك أنها أجزاء من نيازك سقطت من السماء.

لستُ خبيرَ فلك ولا نجوم وما اكتسبته من معرفة كان من خلال سنواتي برفقة روهان بيك، فأدركت قربنا من البحر الميت، كان الجميع يتضور جوعا وعطشا، والقِرب التي أخفيتها جيدا فيها من الماء ما يكفيني لأسبوع، لقد تعلمت من التجربة الأولى، ومع هذا ما كنت لأهدر قطرة ماء على أحدهم.

واقعة البغل أعيتنا وأهلكت طاقاتنا، ولكن الموقع وقانا حرارة الشمس، وساعدنا على تحمل العطش، لم ننصب الخيام، وأنزلنا حمولة الدواب لترتاح، وتركنا جودت والكعب وذهبا للبحث عن مخرج لهذا المأزق، وتساءلت أين الفرق الخاصة التي تحرسنا خفيةً؟! هل ضلَّت الطريق مثلنا؟ أم أن الكعب اللعين بتجاهله تعليمات الدليل واختياره طريق أخرى قد أوقع فوضى بالخطط المتفق عليها! ولماذا تعمد جودت غض البصر عن الجيوب التي امتلأت بالذهب؟!

<<<<<<نهاية الحلقة 29>>>>>>


جرة ذهب الحلقة 29



© 2023 by JarretDahab