جرة ذهب- الحلقة الثامنة والعشرون

#جرة_ذهب_الحلقة_28

وصلنا إلى الجحر الوهمي الذي لم يدفن فيه شيئًا وأشرتُ إليه، وأخذ يسجل ملاحظاته، وطلب من الأمهق نقش الإشارات على صخرة قريبة، ثم عدنا إلى المخيم وكانت شمس الثلاثاء قد سبقتنا إليه، ولم أتساءل إن تم ذبحه قبل منتصف الليل ليكون يوم اثنين، ويبرأ من دمه الثلاثاء اللعين، ما عاد يشغلني إن حدث صدفة، أم أنه القدر المحتوم بمواعدة الموت في الثلاثاء، لقد حدقتُ في عيون الموت مطولا هذا اليوم، ولن يتركني، وليذهب إلى الجحيم هو وكل ثلاثاء لعين!

أتساءل: "لماذا سألني جودت عن خلدون ولم يسأل عن رشيد؟ هل هذا يعني أنه كان على علم مسبق بذبح رشيد؟! لم أجد إجابة لذلك، ولم تكن لدي شهية بطعام أو شراب، فأخذت حقائبي وبحثتُ عن زاوية بعيدة عن الجميع، ولم أتزحزح من زاويتي، فشعرتُ بوحدة الأموات وعدت أسترجع ما حفظتْه ذاكرتي من يوميات جودت أفندي لعلي أفهم ما يدور حولي، وكان قد كتب فيها:

- ((((انطلقنا كما هو مخطط تجاه مرج ابن عامر برفقة طبرق وثلاثة من مرافقي الباشا المخلصين، ومن خلفنا سار خادم الشيخ وعشيقته بعد أن اشترط مرافقتهما لنا، ولم أعترض –كما أُمرتُ- ولكنهما ما كانا قادرين على مجاراتنا في سرعة السير، فتركناهما مع أحد المرافقين ليسيروا على إثرنا، وصلنا وكان بانتظارنا من يقودنا حيث كان شكيب ينتظرنا في إحدى المعسكرات الموالية، وأخبرني أن الأمور أخذت منحىً أكثر تعقيدًا مما خُطط لها، فاضطروا لخطط الطوارئ التي أعدها الباشا سلفا، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، اتفقنا معًا على التنفيذ وتركته ينظم لنا الحماية من خلال المعسكرات الموالية، وإمدادنا بكل ما نحتاجه، ولا أحسده على الكثير من المهمات التي وكِّل بها من قِبل الباشا.
انطلقتُ لقيادة القافلة في رحلة الهرب والاختباء، وما كنا لنحتاج ذلك لو سارت الأمور كما خُطط لها مُسبقا، بلغتُ القافلة ولم أشغل نفسي كثيرا، فصديقي يعقوب الغالي على قلبي قائد بالفطرة، أدار الأمور وأدهشني بحنكته العسكرية، وحرصه على ترك قافلة صغيرة تسير أمامنا وتكون طعما، كان سعيدًا لهذه المهمة ولكن لم يسره وجود فاطمة لتشاركه ذلك، ولكن مَنْ منَّا سيعترض على غالية الباشا! وحين سألني عن الشيخ طبرق أجبته بأنه أغلى من الغالية فلا تعترض، فضحكنا وعلَّق قائلا: "بعد انتهائنا من هذه المهمة عليَّ أخذه معي إلى خالتك لعل حلمُها يتحقق وتُزوِجني!"
أمَّا فاطمة فقد استقبلتني بابتسامة مصطنعة، ولابد أنها قالت في نفسها: "ألا يكفيني يعقوب لِتُحضروا لي جودت"، وما كنا لنسيء لها يوما ونحن نعرف مكانتها عند الباشا، هذه المهووسة بكل ما له علاقة بالآثار، بدأت على الفور تنفيذ خطة الطوارئ التي تقضي دفن أكبر كمية ممكنة مما نحمله، حتى لا تقع تحت أيدي مطاردينا لو تمكنوا من الوصول إلينا، لم تفوت فرصة إلا وذهبت مع خدمها وواحد من الأمهقين لدفن ما تحمله معها من كنوز، وأنا على يقين أنها كانت تتألم بشدة مع كل قطعة تدفنها، ويعقوب كان مضطرًا لمرافقتها كل مرة ليرسم خرائط المكان، للاستدلال علي مواقع الدفن لاحقا، سارت الأمور كما خطط لها وأرسل لنا شكيب كل ما نحتاجه من مؤن.
ولكن الأمور انقلبت رأسًا على عقب صبيحة الثلاثاء، حيث تعرضت "القافلة الطعم" لهجوم قطاع طرق ما كنا نتوقعه، وتم التعامل معه بسرعة من قبل رجالنا، وانطلقت برفقة الشيخ لتقييم الموقف، ورسم خطط جديدة، فاستقبلنا من كُلفوا بحمايتنا بالرصاص، هزِأ الموت منا ومر، وترك رائحته تفوح في أرجاء المكان، كان لابد من دفن هؤلاء الذين كانوا طعما، وحين تم ذلك بطريقة غير لائقة التزمتُ أوامر الباشا بألا أعترض، ولكن حين همس المشعوذ بأذني بضرورة التخلص من الجرحى كي لا يعيقوا طريقنا، كان لابد أن أعترض، وهنا رأيت في عيني يعقوب بريقا شاذا يشابه ما في عيني طبرق، واسترضاء لي أمر رجاله بأخذ الجرحى إلى شكيب، وأتمنى ألا يكون قد همس لهم بغير ذلك.
بعد هذا الهجوم الغير متوقع أدركنا أننا لن نصمد أمام هجوم منظم من قِبل فرق الجيش، التي لا نشك في قدومها على أثرنا، فقررنا الانفصال إلى فريقين، وأسرعنا بإخفاء ما نحمله، فودعت يعقوب وفاطمة، وانطلقنا كلٌّ في طريقه، على أن نجتمع لاحقا في المكان الذي يحدده شكيب فيما بعد))))).

لم أشعر كيف غفت عيناي واستيقظت وقت قدوم الكعب ونيروز تجاهي، جلستْ بجانبي وسألني الكعب:

- هل كل شيء سار كما يجب يا عزيز؟

وقصد أن يسألني إن أخبرت جودت عن المكان الوهمي للذهب وأجبته:

- كما أردت يا سيدي...

فاجأتني وأخذت تمسد على شعري وتسأل:

- ما بك يا عزيز؟ لِمَ تبدو شاحبًا؟ أين اختفى مرحُك؟!

لمساتها أصابتني بالقشعريرة الممزوجة بالخوف من نظراتِ اللعين، ومراقبته ما تفعله فتاته، فقال:

- اهتمي به يا نارة فرحلة الأمس أرهقته.

تركنا وانصرف وشعرت بأنه طلب ذلك منها لغاية في نفسه، وأكاد أجزم بأنها ليست من النوع القادر على الكذب والخداع لتشارك في مؤامرة، عيناها تخلوان من أي شر، وعلاقة هذه البراءة بذاك السعدان تثير جنوني، وما كنت لأجرؤ على سؤالها سابقا عن سر علاقتها به، فكيف أسألها الآن بعد أن اغتسل بدم البشر أمامي للمرة الثانية!

ألحَّت أن تعرف سر الانطواء والحزن الذي ظهر جليا، فالتصقت بي لتخفف من حزني، وكأنها تحضن طفلا صغيرا، ولم أفلح في الهرب، فاقتربت أكثر وأكثر...تنقل إليّ حرارة جسدها، والإثارة أخذت تلهب جسدي، وتكاد تفضحني، لا أشك ببراءة ما تقوم به، ولكن ماذا أفعل! لم تقترب مني امرأة هكذا من قبل، وعلاقاتي بالنساء لا تتعدى أحلام اليقظة، وما كان لكَتِفي أن يشبع نهمه من ملامسة نهديها بعفوية، وينقل ذلك الشعور الرائع لبقية أعضاء جسدي ، انتفاضة جسدي رافقها خوف شديد، خوفٌ من أن يُجن جنون الكعب، فيقترب وينحر عنقي، وما الذي سيمنعه من فعل ذلك! وهو القائل عند ذبح خلدون: "أيها الكلب، كل قطرة ستهدرها سأستوفيها منك!" هذا المسخ سيستوفي مني كُلَّ قطرة دم أهدرتها من عنق خلدون!

وأمام إلحاحها لم أجد غير الهراء حِجةً، فقلت لها:

- أشعر بأن الجان قد مسَّني.

فقالت:

- ارفع رأسك حبيبي عزيز وانظر إليّ...

قتلتني بلفظها حبيبي، فرفعت رأسي ونظرت إليها من طرف كتفي، فرأيت الحنان ممزوجا بالشفقة يفيضان من عينيها، ثم قالت:

- عزيز...عزيز لا تخف.

انظر وتقول عيناي:

- يا عيون عزيز.

وتابعتْ:

- لا تخف! سأطلب من طبرق أن يطرد الجان الذي سكنك.

تركتني وانصرفت، وكل اللعنة على الجان الذي أبعدها عني، فلاحقها خيالي ليعبث بجسدها بلا حذر، وما لبثت تغيب عن ناظري حتى عادت تجر المسخ خلفها، ما يرتديه وطريقة سيره خلفها لا تدل على الرضا بالمجيء، اقترب مني على عجل، وكأن هناك عمل عليه إنجازه بسرعة ليعود إلى نومه، أمسك بيدي وأخذ يضغط عليها ويتمتم بالهراء:

- اخرج يا جان، اخرج وابتعد عن عزيز بأمر الملك طبرق، وإلا سيتم سجنك وحرقك، اخرج، اخرج الآن.

استمر بالتمتمة بكلمات غير مفهومة لا معنى لها، وأقسم أنه اختلقها في حينها، ولن يتمكن من تكرارها لو طلب منه ذلك، وردد على مسامعي كلمات إيحائية أشبه بالتنويم المغناطيسي، ومنها:

- ستشعر أن الجان الذي سكن جسدك وأثقله قد غادرك، ستبدأ الإحساس بالراحة والنشاط...

بعد انتهاء هراءه غادرنا وانصرف، والفرحة ترقص في عيني نعناعتي لعلاجي على يد طبرق، وها أنا أكتشف بأنها على قناعة بأنه أحد ملوك الهراء، وربما هذا سيكون لي مفتاح اللغز لطبيعة العلاقة الشاذة بينهما، فسألتني وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة بريئة بلهاء:

- هل خرج الجان؟ هل خرج يا عزيز؟

وماذا كنت لأجيبها سوى بـ:

- نعم، لقد خرج الجان يا نيروز خرج.

حقيقةً كل ما فعله هذا المسخ بالنسبة لي، لم يثر بداخلي سوى التقزز، ولولا خنجره الملعون ناحر الأعناق لفضحتُه وسخرت منه علنًا، ومع هذا أسعدني أنه ذهب وتركها برفقتي، وسيسعدني أكثر إن التصقت بي مرة أخرى، ولكن خاب أملي حين وقفت على قدميها مرددةً:

- الحمد لله، الحمد لله، خرج الجان وأنت بخير وأمان.

استدارت وانصرفت الأخرى، ولوهلة كدت أنادي عليها:

- عودي يا نعناعتي والتصقي بي، لقد عاد الجان وسكن أذني.

لم أفعل، ولكني اكتشفت أن الشهوة أقوى من الخوف، وجسد نعناعتي نجح في إبعاد كل الافكار التي التصقت بي، فعاد لي الكثير من الحماس، وتجاهلت عيني خلدون المحدقة بي داخل رأسي، واستجمعت شتات نفسي، ثم أخذت استعرض كل الأحداث الماضية لإعادة تعديل خطتي المستقبلية.

في هذه القافلة الملعونة يجب تحديد مكانة كل فرد وحجمه فيها؛ جودت أفندي المسؤول الأول، فهو مَن يحدد كمية الذهب التي يجب دفنها، ونقش الرموز، وإعداد الخرائط لكل موقع. حاليا أنا على يقين مطلق بألا علاقة تربطه بالعسكر، وإنما على صلة قرابة ودم بالأشخاص المنفذين الذين يقفون خلف كل هذا الذهب، ولابد أن يكون على قدر كبير من الثقة بالنسبة له أو لهم؛ ليُؤتَمن على مثل هذه المهمة.

أما الشيخ طبرق، مهمته تحديد المواقع المناسبة لإخفاء الذهب، وهراء الجان والرصد يدل على أن أصحاب الذهب يؤمنون بقوة الشعوذة، ومن المؤكد أن الكعب يحظى بثقة عالية، ومثل هذه الثقة لا تكتسب بين يوم وليلة...أذكر أن روهان بيك كرر في أكثر من مناسبة: إن كل طربوش في الدولة يجر خلفه مشعوذًا ليحميه من السحر والحسد، وحينما يبلغ عدد علمائنا عُشر عدد مشعوذينا لن نحتاج إلى إمبراطورية من ورق.

جودت يسرق من الذهب لنفسه؛ فلا تفسير آخر لدفن الجرار في خيمته سرًا، والكعب يسرق أيضا، فقد سرق جرة كبيرة من الذهب على حين غفلة من جودت الذي لا يؤمن كثيرا بشعوذات طبرق، ويبدو أنه مجبر على التعامل معه بناء على طلب مسؤول أعلى شأنا، وما قام به الاثنان يدل على انعدام الثقة بينهما.

نيروز عشيقة طبرق، ولا أشك في أنه يعشقها بجنون، وقد فرض وجودها على الجميع، وبساطتها تدل على نفي أية علاقة تربطها بما يدور من مؤامرات، ومن الواضح أنه استغل سذاجتها وسيطر عليها بطريقة ما، وربطها به بسلسلة من الأوهام، حبها له يفتقد العقل والمنطق، ولا يمكن تفسيره، هي صغيرة تضج بالأنوثة، وهو مزيج من القرف والبشاعة، وخنزير سيأنف ويترفع عن إقامة علاقة معه...أمَّا بيبرس خادم الكعب، فلا يبدو أن هناك ما يميزه سوى علاقته بالمسخ، وسيبقى عائقا أمامي إن لم أجد طريقة للتخلص منه.

بقية الأشخاص ليس فيهم من يستحق أن أشغل تفكيري به، ويجمعنا مصير واحد، وبخاصة أن أغلبهم عرف بعض أمكنة الدفن، وما حدث لرشيد وخلدون دون أي اعتراض من جودت يؤكد أننا جميعًا في طريقنا للذبح...ولكن هل سيسمح جودت لنيروز أن تغادر مع الأسرار؟! وهل سيسمح الكعب حين تنتهي المهمة أن تُذبح عشيقته؟! وهل من المنطق أن يغادر طبرق وبجعبته كل هذه الأسرار أم أنهم بحاجة لهرائه عند إخراج الذهب؟! أعتقد أنهم سيكتفون بالخرائط التي رسمها جودت، ويتدبرون مشعوذًا آخر عند الحاجة، فنظراتُ الاحتقار التي كانت تظهر في عيني جودت تجاهه بين الحين والآخر لا تشير إلى رغبته في ترك هذه الأسرار بين يديه، وهل الكعب أحمق حتى لا يدرك ما سيحدث؟! وهل حرصه على دفن جرة كبيرة في مكان لا يعلمه إلا أنا وهو يدل على أنه فكر بهذا جيدا؟!

إن الوحيد الذي لن يُقتل هو جودت؛ إنه ذو الثقة المُكلف الأول بالمهمة، والفرق الخاصة لا تأتمر إلا بأمره، كما أن كاظم الدليل ورفيقه المسلح، لم يقتربا من مواقع الدفن.

إذًا الذبح سيتم تدريجيا بِناءً على كمية الذهب المتبقية، والحاجة للحفر والدفن، أنا أمين سر جودت أفندي وخادمه، هو بحاجه لي في هذه المرحلة، ولكنه سيحرص أن يتم ذبحي للحفاظ على سر سرقته، والكعب لن يتعجل على ذبحي حاليا، وبإمكانه استخدامي لخدمة أهدافه، وسيحرص على ذلك في الوقت المناسب؛ لأني الوحيد الذي يعرف مكان جرته، ويبدو لي أن القاسم المشترك بين الجميع هو التأكد من ذبحي...

نيروز ستكون الأوفر حظًا؛ ستكون الأخيرة في قائمة الذبح، ولن يتم ذلك إلا بعد الخلاص من عشيقها، وهدفي اليوم أن يكون ترتيبي في الذبح بعدهما، وإن بلغته فإني أمتلك الكثير من الوقت، ونجاحي سيعتمد على الكعب وليس جودت، لأنه سيحتاج أن يحيط به أشخاص لا يخشاهم حتى النهاية...أفكر كثيرًا في النجاة كما أفكر في الذهب، ويراودني شبح الموت فأكاد أجزم بأن الهرب مستحيل في هذه الرحلة، فلا أحد يعرف أين اختفى الغربان السود، تنشق الأرض عنهم عند الحاجة كما حدث عند مهاجمة العرب للقافلة، ولابد أنهم قد شكلوا طوقا من بعيد حول قافلة الموت ولن ينجو منه أحد.

مع غروب الشمس انطلقتُ في حيوية ونشاط، وأتممت كل المهام الموكلة إليّ، ولم يسألني سوى سالم الساذج عن خلدون، أما البقية فيبدو أنهم فضلوا الصمت، وربما اعتقدوا أن شجاره مع خادم الكعب هو السبب وراء اختفائه.

انقضى الثلاثاء اللعين وانطلقنا نشق طريق الموت والذهب، حفرنا ودفنا في الكثير من المواقع، وعند شروق الشمس وصلنا مكانا صالحا للاختباء، الطحين الذي أحضره الكعب لم ينفد، ولكن ذبح خلدون حرمنا من الخبز الطازج اللذيذ، فهو خير مَنْ عجن وخبز، وسلامة يبرع في ذلك أيضًا، ولكنه ما عاد مثل سابق عهده، فمنذ قصة الضبع وهو يتظاهر بالمرض، ولم يفعل شيئًا، حتى أنه أهمل الاعتناء بطبيلة، وبدا كأنه أصيب بهوس غريب، وكان يمضي كل الوقت بمراقبة ساقه، وكأنها ستتركه وتهرب، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أخذ يعامل الجميع بعدائية.

لم يتبقَ غير سالم الأهبل ليقوم بمهمة العجن والخبز، والنتيجة أننا جميعا هجرنا الخبز إلا عبد القادر، فيبدو أنه استفاد من هذا الخبز المقرمش المحروق لإعداد وجبة لذيذة بعد إضافة الحليب الذي لا يعرف سره أحد.

في الأراضي الجرداء القاحلة وإن صحَّ تخميني، بِناء على ما وصل إلى مسامعي من حديث الدليل مع جودت، نكون الآن شرق مدينة بيت لحم، بساعات الظهيرة هذا اليوم لم يصلحْ الخبز الذي أعدَّه سالم للأكل فاكتفينا بالفتات، وابتهجنا للإفطار الثاني الغير متوقع، جمل قرر أن يغادر الحياة فجأة، فعجَّل خادم الكعب بذبحه، وبالرغم من أننا جميعا كنا على ثقة بأنه ذبحه ميتا، إلا أننا كنا سعداء، وكالمعتاد استحوذ الكعب على الكبد، وأعد إفطاره بنفسه، وما كان ليهمنا الأمر كثيرا، وانطلقنا للشواء، والوحيدان اللذان لم يأكلا من هذا الجمل كان جودت أفندي وعبد القادر.

لم نشعل نارا واحدة، بل كل منا أشعل ناره الخاصة وخدم نفسه، حتى الدليل ومرافقه انضمَّا إلينا بعد ساعة، وغرقا في اللحم بعد اجتماع سريع مع جودت، ومن بعيد أطل خيال مسرعا إلينا، فاعتقدت أن النار ورائحة الشواء هي ما جذبته، ولكن حين اقترب منَّا توقف وانتظر إشارة من جودت ليسمح له بالاقتراب أكثر، كان واضحا أنه متفاجئ لهذه الزيارة الغير متوقعة؛ فأغلب زيارات الفرق الخاصة تكون ليلاً عبر إشارة ضوئية، وندر حدوث ذلك، اقترب الخيال وتحدثا معا وأشار جودت إلى لكعب والدليل، فاقتربا ليستمعا لحديث الخيال، وكان جليا أن حالة من الارتباك قد أصابتهم، فاعتقدت أننا ربما نتعرض لهجوم قطاع الطرق.

عاد الخيال أدراجه ولم يمضِ الكثير من الوقت حتى أطل علينا قطيع كبير من الأغنام، يتجاوز عددها المئتين، يقودها راعٍ وثلاثة أولاد، اقتربوا منا وأغنامهم جالت بيننا دون كلفة، كنا نتجنب الاقتراب من آبار الماء إن حط الرعاة بجوارها، والكثير من الأسئلة تلف هذا الحدث، فكيف استطاع هذا الراعي مباغتتهم! وهل يعقل عدم رصد قطيع بهذا الحجم؟! وإن وصل عبر إحدى الطرق الجانبية، فهذا يشير إلى وجود ثغرات يمكن اختراقها، وقد يستغلها قطاع الطرق لمهاجمتنا!

وقفنا جميعا نترقب مرور الراعي وقطيعه، ولم يتوقف عن تفحصنا جميعا، وأخذ يسأل كل من يقترب منه عمَّن نكون، وماذا نفعل هنا، هذا الراعي الفضولي لا يعلم أن عيون الموت تحدق به، وأغنامه هي من حالت دون ذبحه؛ فلا أحد يرغب في إحداث الفوضى حتى لا يهبّ سكانُ المنطقة للبحث عن راعٍ فُقدت آثاره.

الكعب ذهب إليه ليطرده وأغنامه من بيننا، إلا أنه جلس على الأرض متربعا، ونظراته الجريئة التي رمى بها الجميع قالت: "أنتم الغرباء وهذه المنطقة لي ولأغنامي"، وأخرج من جيبه علبة تبغ، جهز سيجارةً وأشعلها، وانبعثت منها رائحة كريهة، وهنا تدخل كاظم الدليل، وكان أكثر ذكاء وحكمة من الكعب، وطلب منا بلهجة أهل المنطقة:

- (جيبوا الزاد للضيف).

أسرع سالم وجاء بلحم الجمل المشوي على النار، وأخذته من يده وذهبتُ إليهم لاستمع لما سيدور بينهم من حديث، وكان قد فاتني الجزء الأكبر، قضم الراعي قطعة لحم وشعرت بأنه سيبصقها، ولكنه بذل جهدًا حتى بلعها، ولم تقربْ يدُه اللحم مرة أخرى وقال:

- (يِخْلِف عَليكم).

ثم طلب أن نعد له القهوة، وقاحة هذا الراعي أدخلت السرور إلى قلبي؛ فقد تسبب بإغاظة الكعب، الذي أخذ ينظر إلى الأولاد ويعدُّ الأغنام، وأظنه فكر في ذبحهم جميعا اختصارا للوقت، لم تتوقف أسئلة الراعي الفضولية وكان الدليل بارعا في الرد عليه، وشرب الاثنان القهوة معا وكنت أعتقد أن هذه ستكون نهاية القصة، ولكن الراعي استرخى ولم يتبقَ إلا أن يطلب فرشة ووسادة ليأخذ قيلولته...كدت أضحك، وسرًا قلت له:

- (اهرب أيها الراعي وانفد بجلدك قبل أن تشرب عفاريت الـ "قاقا باقا" من دمك).



© 2023 by JarretDahab