جرة ذهب - الحلقة الرابعة والعشرين

#جرة_ذهب_الحلقة_24

خرجتُ لأجلب التراب وفعلتُ ذلك لأني كنت بحاجة لأبتعد عن الذهب قليلا؛ فعيناي كادت تفضحني، ولكنه طلب مني أن أحفر داخل الخيمة، وأملأ الجرار الصغيرة بالتراب، وحذرني إخبارَ أحد، هنا أدركت أنه قصد الكعب، وليس أحدًا آخر.

حفرتُ مسرورًا، وهذا ساعدني على استعادة توازني قليلا، وعلى مَهْلٍ ملأت الجرار الأربع حتى نصفها ترابا؛ فلم أكن مستعدًا للعودة ومقابلة الذهب، وحين أيقنت أنِّي امتلكتُ السيطرة على الشهوة التي اجتاحت كل ذرة في كياني اقتربت من الصندوق، وأغرقت كفي بين مئات الآلاف من القطع الذهبية، فسرتْ القشعريرة في عروقي، كنت أترك كفي يغوص بين قطع الذهب وأعود لأخرج ما حمله من قطع، ثم أسكبها داخل الجرة، فتحلق روحي بعيدًا وترقص على النغمات التي تُعزف جراء سقوط القطع وارتطامها بقاع الجرة الكبيرة.

كنت أسترق اللحظات التي تغفل فيها عينا جودت لأترك كفي يغرق طويلاً في صندوق الذهب، فينتابني شعور بأنه مملوء بالعذارى العاريات، تتحسسها أصابعي وتداعب آلاف النهود الفتيَّة، وبلذة محروم أُخرج كفي لتتساقط العذارى اللواتي لم يجدن لهن مكانا في قبضتي، وعيونهن معلَّقةٌ بي متمنين عودتي لأحملهن باشتهاء، كلُّ منهن تعزف لحنًا يسمعه الأصم، وبريق جمالها يراه الأعمى.

لم تكف العذارى العاريات عن التراقص حتى حملنني وعدن بي إلى أكثر من سبعة عشر عاما...إلى بيت جارتنا وجسدها المكتنز، التي خلعت كل ما يستر جسدها وكانت ترتدي في كل معصم ستة عشر سوارا، عزفت لي بها أعذب الألحان، أطربني رنين حليها، وحينها كنت صغيرا لم أفهم لغة الجسد والذهب، ولم أخبر أحدا كما طلبت مني، وحينما كبرت وفهمت، لم تدخلني إلى بيتها ولم تعد الكرة، ولكني حرصتُ على التلصص عليها من خلف الأبواب ...

كفي مملوء بالذهب، والجرار امتلأت حتى الأعناق؛ آلاف القطع وجدت طريقها لكل جرة، رغم التراب الذي احتل مساحة النصف في بعضها، ولم أفهم حينها السر من وراء التراب، وبعد ملء الجرار كاملة، أرشدني جودت كيف أخلط التراب بمادة لزجة مجهولة -لم أعرف ماهيتها- مع القليل من الماء، وأقوم بشمع الجرة لتتصلب خلال دقائق، وبعد ذلك أقوم بتغطية فوهة الجرة بقطعة خيش مع إحكامها على عنق الجرة، ثم أحملها إلى الخيمة الأولى وأصفها بجوار بعضها، هذا ما كان مع الجرار الصغيرة أما الكبيرة فكانت كالبئر، واستخدام كفي لملئها كان مرهقا، ويستغرق وقتا طويلا، وعلى مقربة مني وعاء إن استخدمته سيسهل عليَّ ويوفر الوقت، ولكن كان ذلك ليدل على نباهتي، ويخالف القاعدة السانتورية القائلة:

- "الأحمق لا يسعى لتوفير الوقت والجهد، وإن فعل لا يكون أحمقا"

تبا لسانتور هذا! كل نصائحه مرهقة، ولا يوجد فيها ما هو مريح، تقديري أن الجرة الكبيرة لوحدها اتسعت لعشرات آلاف القطع، والصندوق لم ينقص كثيرا، وكأن الذهب فيه لا نهاية له.

لم أتفاجأ عندما طلب مني دفن الجرة الكبيرة داخل الخيمة، ولم يكن الأمر بحاجه إلى نباهة، فقد كان حريصا على أن أملأ الجرة، وهي بجانب الحفرة التي أخرجت منها التراب، ليسهل دفعها داخلها؛ فمن المُحال حملها بعد امتلائها.

لقد شقَّ علي ما بذلته إلا أني شعرت بالفرح يغمرني، ولم يكن -فقط- بسبب الثقة التي منحها لي، وإنما لتأكدي من عدم ثقته بالكعب، أو لسرقته شيء لنفسه وائتماني على السر، ولعله كان مُخطئًا لأنه أصر على ذهابي مع الكعب لبلاهتي التي ستفضحه إن تلاعب، فكيف لم تخيفه بلاهتي عند إطلاعي على مكان الجرار الكبيرة التي دفنها سابقًا في كل مكان نُصبت فيه خيمته، بدأت أعود بذاكرتي وأتساءل عن الجهد الكبير الذي بذله هذا الناعم وحده في ملء الجرار، والجهد الأكبر في الحفر ودفنها الجرار داخل خيمته فيما مضى، فقد كان يتعمد نصب الخيمة ولو كانت استراحتنا قصيرة، يبدو أن جودت قرر ترك القليل من الذهب دون حراسة عفاريت الـ"قاقا باقا"، وشكرا لذاكرتي، حينما أعود سأحرص على أن أحفر بكل موقع نُصبتْ فيه خيمته.

فرحتي لم تكتمل، سامح الله روهان بيك، فمنذ عرَّفني بصديقه المنطق اللعين وأسكنه في رأسي نغَّص علي حياتي، وها هو يعود ليحشر أنفه لإفساد لحظات السعادة التي أشعر بها؛ يقول في صمت:

- يا عزيز الأحمق إن كان غيرك سيموت مرة، أمَّا أنت ستموت مرتين؛ أُولاهما من أجل الذهب الذي دفن في الجبال والأخرى من أجل ما دُفن في الخيمة.

دفعني ما أخبرني به المنطق إلى تخيل جودت أفندي وقد جمع حوله الغربان قائلاً:

- اقتلوهم جميعا وادفنوهم في حفرة واحدة، وهذا المسمى عزيز، اقتلوه واحرقوا جثته أمامي حتى لا يعود للحياة مرة أخرى.

أنا لا ألومه إن فعل، فدخول خيمة علي بابا غالي الثمن، وليس هناك أغلى من الحياة، وإن لم يحرص على قتلي سأستخف بذكائه، لا أشك في هذه النتيجة، ولكن المنطق يرى الصورة من زاوية واحدة فقط، ولن أتركه يفسد عليَّ خططي، أعلم جيدا أن الأيام التي سأعيشها كثيرة، فمازالت الصناديق ملآنة بالذهب، وتحتاج إلى أيدٍ للحفر والدفن، وجودت لن يتعجل في تضحيته بالخدمة الممتازة التي أوفرها له، ولفرسه نجمة، وحين تفوح رائحة الموت وأشتمُّها...لكل حادث حديث.

الكمية الكبيرة من الذهب داخل الخيمة لم تكن المفاجأة الوحيدة، ففي الوقت الذي بذلت فيه كل الجهد لأدفع عني سحر الذهب، حتى لا يرى في عيني شيئا مريبا، جاهدت أكثر في إخفاء دهشتي بأن ثلاثة من الصناديق متشابهة ومميزة عن البقية وأن ما فيها من ذهب لم يكن عثمانيا، بل إنكليزيا يحمل صورة الملك إدوارد، وفي حال أن الصندوقين الآخرين يحويان ليرات إنكليزية فلابد أن في ثلاثتهم ما يزيد عن مئات آلاف القطع الذهبية، لا يثير فضولي أن بقية الصناديق فيها ملايين العصمليات، ولكن لا أجد تفسيرا منطقيا لوجود ذهبا إنكليزيا ضمن ما نحمله معنا.

ما أفقه في السياسة هو ما كنت أسمعه من أحاديث كانت تدور بين روهان بيك وضيوفه مرات عدة، ولا أحتاج لأكون سياسيا لأدرك أن هذه الكمية الضخمة من الليرات الإنكليزية وحدها توازي ثلث تمويل الجيش العثماني لعام واحد، والذهب في بقية الصناديق قادر على تمويل الجيش لسنوات عدة، بناءً على ما سجلته ذاكرتي فإن ما تحمله هذه القافلة من الأسرار لم يكن مجرد سرقة أموال الدولة وإخفائها، ومؤامرة بهذا الحجم تفوق قدرات شخص بمفرده، والسؤال الأهم والذي لا يستحق أن أشغل بالي به، مِم نهرب! ولماذا نختبئ! وهل لم يتبقَ مكان لحفظ الذهب سوى الجبال!

انتهيت من مسح الغبار، وإزالة فائض التراب من الخيمة بعد دفن الجرة الكبيرة، بذلتُ جهدًا أمتعني ولم يتعبني، والمفاجأة الثالثة لهذا اليوم أن جودت خرج وتركني بمفردي داخل الخيمة، وكان بإمكاني أن أملأ جيوبي بقدر ما تتسع من ذهب، ولكني لست بهذا الغباء لأقدم على هذه الخطوة، ومما شد فضولي الدفتر ذو الغلاف الأخضر على الطاولة، وبجواره عدة أقلام، قلبت عدة صفحات وكان قد كتب فيها شعرًا، ثم وصلت إلى الصفحة الرابعة فلفت انتباهي قيامه بتشفير الكلمات، والشيفرة التي استخدمها تدل على سذاجة، ألقيت عليها نظرة خاطفة وتركت لذاكرتي أن تتولى مهمة حفظ ما خطَّه، ومما كتبه:

- (((((نبتت لي جناحان كالصقر وحلقت في جوف السماء، اقتربت من السحاب ومددت يدي لأمسك به، كان ناعم الملمس كالريش الذي يملأ وسادتي، وحين استيقظت ولم أجد ريش السحاب لم أشعر بخيبة الأمل وإنما شعرت بطاقة تملؤني أملا بأني يوما ما سألامسه، وكان حلمي.

وما كان ليعجز الباشا عن تحقيق الأحلام، لم أكن الأفضل، وربما كنت أسوأهم، إلا أنه اختارني لأكون ضمن البعثة التي ستتعلم التحليق بالطائرات الفرنسية، وحين وصلتُ باريس نبتت لي جناحان سرعان ما تكسرت، وعلمت أن الصقور لا تتقيأ ولا تشعر بالدوار، فعدت تاركا حلمي في التحليق فوق السحاب، وها أنا بالوديان أتجنب الاقتراب من القمم.

كنت أبتهج لأزيز الرصاص حينما يطلق في السماء احتفالا، وعندما كنت صغيرا تساءلت: ألا يجب أن تعود الرصاصة لتهبط فوق رؤوسنا! ومازال السؤال يراودني! في وادٍ يطلق عليه الحصيد كان للرصاص صوت كالجعير استقبلني بكرم وأصر على اختراق جسدي، عندها فقط رأيت الموت يغمزني بعيونه الكبيرة التي لا عدد لها، فأيقنت أني ميت وسأمتطي نجمة لنعبر معا بوابة العالم الآخر. الصخرة التي احتميت بها تلقَّتْ عني كل الرصاص، فغمزني الموت قائلاً "أنا أراقبك". وحينما التفت إلى نجمة كانت تقف في كبرياء، وعيناها تسخر من الموت، لم تكن هناك صخرة لتحميها، وإنما ابتعدت مسافة لا يتجاوزها رصاص الموت.

لم يسعَ عدو لقتلنا، وإنما الذئاب التي حرص الباشا على تسمينها، وصوت الرصاص أيقظ بداخلي سؤال: "هل هؤلاء هم حماة دولة الحداثة؟! ومن أجلهم سنخفي هذا الذهب؟!" أذكر قول الباشا لي يوما "عزيزي جودت أنت تساوي وزنك ذهبا" وها هو يغرقني بالرصاص والذهب))))).

خرجت من الخيمة بعد أن ودَّعت صناديق الذهب، ووعدتها ووعدت نفسي بأنها لن تكون لأحد غيري، وسأتدبر أمري مع الموت في حينه، وبعد هذا اللقاء المثير مع إدوارد وعبد المجيد، والثقة التي أولاها لي جودت أفندي هذه الليلة الهلالية المباركة بالذهب، لم تتحرك القافلة إلا بعد منتصف الليل، فالتبكير أو التأخير له علاقة بالطريق، ولا يعرف ماهيتها إلا الدليل وجودت والكعب.

انطلقت القافلة ودبيب الدواب على الأرض لهذه الليلة كان أشبه بالموسيقى فأنا الوحيد الذي يعرف الكثير عما تحتويه الجرار التي سيتم دفنها، ونشوة الذهب وذلك الإحساس الرائع بالتفوق ومعرفة ما لا يعرفه حتى الكعب، منحني الكثير من الطاقة والجرأة.

تحول الهلال في دقائق إلى بدر حينما اقتربت مني نعناعة فاشتممت رائحتها، وبالرغم من شعوري بالنقص لأني مازلت أسير على قدمي وأجرُّ خلفي حمارا، إلا أن الثقة غمرتني، فالذهب الذي أجره خلفي يكفي لشراء آلاف الأحصنة، وماذا أفعل ورائحتها قد أسرتني! ما كنت لأفوت الفرصة فوَثبت وامتطيت الحصان خلفها، وأحطتها بكلتي يدي على مرأى من الجميع، وهمست بأذنها:

- سأبني لك قصرا فارهًا، وسيكون فيه الكثير من العبيد رهن إشارتك، سأجعل منك ملكة، وسأشتري لك فرسًا تفوق فرس جودت جمالاً، وأصالة.

مالت برأسها وقبلتني هامسةً:

- اشتقت إليك يا عزيز ولا أتوق صبرا على فراقك لامسني واضغط بيديك على خاصرتي وأردافي، هيا يا عزيز افعلها الآن.

فعلت وانتشيت وباغتتني ضربة من كوع أحدهم فأصابت خاصرتي، وعلى إثرها أفقت من حلمي فإذا بيدي تداعب مؤخرة حمار يسير أمامي، فسحبتهما بسرعة وذبت خجلاً، وشكرت عبد القادر سرًا على تلك اللكزة التي أبعدتني عن مؤخرة الحمار قبل أن يلاحظني أحد، واستكبرت له فعلته ولم يخف علي أنه تظاهر بأن الضربة كانت عفْوية ليرفع عني الحرج، هذا الناسك الصامت أحبُّ الناس إلى قلبي في هذه القافلة، وأكاد أجزم أنه الوحيد الذي لا تفوح منه أية رائحة كريهة، حتى جودت أفندي كنت أشتم رائحة عرق كريهة تفوح منه، أما الكعب فالرائحة الكريهة جزء من شخصيته الخنزيرية.

عبد القادر الوحيد الذي لم يرمِ نيروز بنظرة، يغض البصر إن مرت بجواره، وحينما تذهب لتلعب مع الدواب كعادتها يترك المكان وينصرف، والشيء الوحيد الذي شده هو ناي الأمهق وألحانه الحزينة، أنا أعشق هذا النوع من الدراويش ولو كان عربيا، وهذه المرة الثالثة التي ينقذني فيها عبد القادر، وهو الوحيد الذي لم أمنحه لقبا يسيء إليه.

مازالت الرحلة ومازلنا نسير بين الجبال والتلال؛ طرق، وسهول، بين أشجار زيتون وأراض زراعية، وكنا أحيانا نلف في دوائر، ودفن الذهب كان يستغرق الكثير من الوقت، وتجنبنا الاقتراب من أية مناطق مأهولة، لم نكن نسرع بل كنا نسير ببطء شديد حتى نفد الطعام كله، ولم يتبقَ معنا إلا الزيتون، أما الخبز فقد اختفى من حياتنا منذ فترة.

الدواب كانت أوفر منا حظا، وطبيلة أخذ يأكل الأخضر واليابس من أوراق الشجر، الجوع اللعين عصف بي وما أحمله من بسكويت وشوكولاتة يصيبني بالغثيان، وكنت على استعداد لمبادلتها برغيف خبز طازج.

في طريقنا مررنا بجوار الكثير من الصبار، واندفعنا نحوه في سباق، وما كان هناك داعيا للتسابق، فكمية الصبار كانت تكفي وتزيد، والدواب كانت أكثر ذكاء وحكمة منا، ووقعنا جميعا بكمين الشوك الناعم اللعين، ولكن الجوع كان أقوى من وخزه، مرت علينا ليلة لعينة انشغلنا جميعا بالتخلص من الأشواك، وسلامة كان جهده مضاعفا، فأمضى كل وقته بنزع الشوك من يدي طبيلة.

حملنا معنا الكثير من الصبار، وفي طريقنا أنعم الله علينا بالتين، ولم يكن قد اكتمل نضجه ومع هذا لم نوفره، وشعرنا بالشبع وبدأ التمرد والتسابق للابتعاد عن القافلة، وانتشرنا مثل الجراد كلٌّ يبحث عن صخرة أو حفرة تستره، ليتمكن من قضاء حاجته، قد أصابنا الإسهالُ جميعًا، واضطرت القافلة للتوقف مرغمة... مررنا بمزارع عدة وسطونا على الكثير من الخضار، ومرت ليلتنا بسلام.

ثلاثة أيام متتالية لم نأكل إلا ما أنبتته الأرض، مررنا بين كروم عنب وأكلنا منه ما يكفي لافتتاح خمارة، وسرت إشاعة بيننا بأننا سنثمل عند تخمُّر العنب في معدتنا، وتبدأ الغازات بالتسرب منه، وثملنا فعلا، وكان طبيلة أكثرنا ثمالة، فحاول أن يحمل حمارا وأوقع الفوضى بين الدواب، واستاء الكعب كثيرا، واكتشفت أن الخبيث سعدون همس له ليفعل ذلك.

ذلك الخبيث في التاسعة عشرة من عمره، حاله كحالنا، قصير وهزيل، ولو لم يكن كذلك لما اختاره الكعب ليرافقنا، فيه نعومة أخفاها بإطالة شعره ولحيته، أنفه صغير وعيناه خضراوان صغيرتان، ادعى أنه تركي الأصل، ولكن لسانه فضحه، ثم ادعى أنه عربي و فضحه لسانه أيضا، لا ولاء له، ولا أحد يحبه، فقد دأب على نشر الفتن بين الجميع، وحينما باع نفسه لبيبرس وأصبح يراقب الجميع ويسرق من طعامهم ازدادت كراهيتهم، وإن لم تخني فراستي فجذوره تعود إلى مقدونيا، وربما قام تركيًا بشرائه مع أمه، ثم ملَّ منها وباعها لأحد العرب، وهذا يفسر إجادته لنصف اللغتين، وما يميز هذا اللعين أنه يمتلك قوه تفوق قوة ثلاثة منا، ولا يضاهيه بذلك إلا خلدون الأعوج، فلو اجتمع الاثنان معا بإمكانهما رفع صندوق مملوء بالذهب.

أشك أن العنب تحول إلى نبيذ ولكن اضطرارنا للسير نهارا تحت حرارة الشمس كان كافيا لنثمل دون عنب أو خمر، كنت بالقرب من جودت حين اقترب الدليل، وهذه المرة كان معه -بالإضافة إلى مرافقه المسلح- اثنان من غربان الفرق الخاصة، وحتى تلك اللحظة بقي هذا الدليل بالنسبة لي غامضا، لم أستطع تحديد دوره، ولا جنسيته، ولا مكانته، ولكن عرفتُ أن اسمه كاظم؛ عيناه تشع ذكاءً، يشبه البدو ويتحدث بلسانهم، ويلبس مثل أحد الرعاة، يخفي مسدسا خلف ظهره، ويحمل عصا، ولكني على ثقة بأنه ليس عربيا، وهيئته أقرب إلى الألبان، يتواصل مع جودت مباشرة وقلَّما تحدث مع الكعب، لا يأكل ولا يشرب معنا، هو ومرافقه قافلة بذاتها، الطريقة التي يعامله بها جودت تدل على احترام، وهذا يشير إلى مكانة لا تعكسها ما تعمد أن يرتديه من ملابس رثة. ومع هذا بقيت أتساءل إن كان يعلم بدفن الذهب، أم مهمته كانت برصد الطرق وتوجيه الحراسة، أم هو مجرد دليل يسير بناء على توجيهات جودت، ومما وصل إلى مسامعي من حديثه مع جودت أننا سنمر من جانب بيت لحم، وبعدها سنصل إلى نقطة اللقاء.

ما سمعته لم يكن ذا أهمية، وبيت لحم مجرد اسم آخر لمدينة فلسطينية، وما عاد هناك حاجة لاستراق السمع كلما جاء كاظم الدليل تاركا خلفه رفيقه المسلح على أول الطريق، وبخاصة أن جودت ما عاد يكترث إن سمع أحد ما يدور بينهما من حديث، ويبدو أن الأسرار قد سقطت.

>>>>>>>> نهاية الحلقة 24<<<<<<<<

يتبع>>>>


© 2023 by JarretDahab