جرة ذهب - الحلقة الواحدة والعشرون

تاريخ التحديث: 28 يوليو 2018

وابتسم الحظ لي عصر اليوم، ونادى علي جودت وسألني أن أعد له "قلاية بندورة"، فذهبت إلى خيمة المؤن وطلبت من بيبرس البندورة، ولكنه سخر مني، ففهمت أنها نفدت، وعدت إلى جودت واستغللت تقززه الزائد، وقلت له:

- اعذرني يا سيدي لقد ذهبت إلى خادم الشيخ طبرق، وعندما دخلت خيمة المؤن شقتْ أنفي رائحة كريهة وكأنها رائحة بول، وارتأيت عدم الاقتراب من شيء أشك في نظافته، وإن سمحت لي سأعد لك شيئا آخر أثق في نظافته.

فقال:

- افعل ما شئت، ولا حاجة لطلب شيء من خادم طبرق.

أشار بيده داخل الخيمة الثانية قائلاً:

- ادخل وخذ ما تحتاجه.

إنه يحتفظ بالكثير من المؤن في خيمته؛ الكثير من المعلبات، والجبن، والتمر، واللحم المقدَّد، والشوكولاتة وفاجأني أنه لم يكترث لوجودي بالقرب من الذهب، وانشغل عني عائدًا إلى كتابته، ولانتباهي إلى عشقه للجبن أخذت ما أحتاجه وخرجت، ثم طلبت من بيبرس أن يعطي خلدون الأعوج طحينا ليعد خبزا للباشا، ولم يكن هناك أبرع منه في إعداد الخبز فأخبرني بعدم توفره. الطهو لعبتي التي أبرع فيها ولم أعجز عن صنع وجبة فاخرة.

فاحت الرائحة وجذبت نعناعتي الغالية إليّ، فاقتربت وأخذت تستنشق الرائحة وتردد:

- اووووه، الله الله ما أروعها!

أقول سرًا:

- دعيني ألامس أردافك وسأعطيك كل ما أعددته لجودت.

إلا أن بيبرس الذي تابع كل تحركاتها أسرع وأحضر جبنا من خيمة المؤن التي يشرف عليها، وطلب مني أن أعده لها، هذا الحقير أخبرنا سابقا أن الجبن قد نفذ، ولابد أن استغل هذا ضده لاحقا...أعددت لنعناعتي الجبن بطريقتي الساحرة، وأبعدت عيني عنها؛ فقد وقف فوق رأسي وكأنه يخشى أن أدس لها سمًا في الطعام، وبعد انتهائي من إعداد وجبتها ناولتها إياها، وكنت أحب أن أطعمها بيدي، وتأملت أن تكافئني بقبلة، ولكنها نظرت ناحية ذاك الخَنُّوص الحقير وقالت:

- شكرا بيبرس، تعال وكل معنا أنا وطبرق.

سره ما سمع وغاظني ما سمعت، لم يرافقها ولكن ابتعد كلاهما عني، وانشغلت بوضع لمساتي الأخيرة بطعام جودت، واقترب مني سلامة وقطعت عليه الطريق قبل أن يتسول وقلت له:

- هذا الطعام للباشا.

وهمست في أذنه:

- بيبرس يخفي الكثير من الطعام عنكم، اذهب أنت ورشيد واسطوا عليه.

وتركته، وأسررت في نفسي:

- من لا يجرؤ على سرقة الطعام لن يسرق ذهبا، وليطعم فيله من علف الدواب قبل نفاده بدلاً من التسول. ما حملته من طعام أدخل البهجة على قلب جودت أفندي، وامتدحني كثيرا وأصر على بقائي لحين انتهائه من طعامه، وسألني عن الخبز، ولمَّحت بذكاء إلى أنه لم يتبق إلا كمية صغيرة من الطحين للشيخ طبرق، لهذا لم يعطيني خادمه منها لأعد الخبز الطازج اللذيذ الشهي، لم يعلق واستمر في تناول الطعام، هذا الناعم لا يستفزه شيء وكل محاولاتي لتحريضه على بيبرس باءت بالفشل.

حينما انتهى من تناول طعامه انتهزت الفرصة وسألته إن كان بإمكاني أن أغسل فرسه نجمة لأخفف عنها وطأة الحر قليلا، وأطرد الذباب الذي وجد طريقه إليها، فرفض على الفور، ولكني لم أيأس وانتظرت قليلا، ثم قلت:

- اعذرني يا سيدي، أعلم أنك لا تحب أن يقترب أحد من نجمة ولكني اليوم اضطررت لأنزع عنها بعض القراد، ولم تكن موجودا لتسمح لي.

انتفض كمن لسعته أفعى وخرج ليتفقدها، وأريته جثث القراد والذباب الذي قتلته لحمايتها، ثم عدنا إلى الخيمة ودار بيننا حديث حول نجمة، ولم تستطع عيناه إخفاء الكثير من التساؤلات حول إلمام أحمق مثلي بالخيول الأصيلة، وكنت مستعدا لكل سؤال دون أن أشككه في حماقتي، فأخبرته عن فرس زوجة روهان الأصيلة ناصعة البياض، وكيف كنت الوحيد الذي يعتني بها يوميا؛ لأنها لا تسمح لأحد حتى روهان بيك من الاقتراب منها، فوجد في قصتي ما أقنعه بأني خير من تعامل مع الخيل، ولم يكتشف أني أجهل الناس بها، وخبرتي لا تتعدى ما حفظته الذاكرة خلال يومين.

وما إن انتهى من طعامه حتى أخرج حقيبة جلدية فيها فراشٍ ومعدات خيل، وطلب أن أتبعه، وكأنه أراد اختباري، أو أنه يخشى عليها مني، وأحضرنا الماء وراقه كثيرا طريقتي في لمسها وتنظيفها، فتنحى جانبا وراقبني بلا ملل، فصَهَلت نجمة منتعشة، وعاتبت جودت على بخله عليها بالماء.

من خلال نجمة استطعت أن أُلامس شغاف قلبه، فرماني بنظرة حملت الكثير من الحب والشكر والعرفان، ثم فتح أحد الحقائب وأخرج بنطالا وقميصا وجوارب، وأعطاني إياها، كان واضحا أنه تأثر بما فعلتْ، ولم يجد غير هذه الطريقة لمكافأتي ولم يلحظْ حجمي الضئيل مقارنةً بملابسه، لم أعلِّق بل حملتها وتركت السرور يفيض من عيني، ولم يكن ذلك صعبا لأني شعرتُ به لما حققته من نجاح في الوصول إلى قلبه، انحنيت وقبَّلت يده وخرجت مسرعا دون استئذان، تعمدتُ فعل ذلك لأظهر كطفل صغير لا يصبر على الانفراد بلعبته الجديدة، ولاحقتني ضحكاته.

ابتعدت ووجدت نفسي في مأزق، فلا يجوز ألا أرتدي هديته، وإن ارتديتها ستجعلني أبدو كالأحمق في عيني نعناعتي، ولن ألتزم بالقواعد السانتورية مع حبيبتي، فأنا أنيق ووسيم، لن تحبني إن تظاهرت أمامها بالحمق.

سرقني الوقت، ولابد أن أسرق قليلا من النوم لأستعيد نشاطي كي أتمكن من الحفر وحمل جرار الذهب، استرحتُ إلى ظل شجرة وتوسدت ملابس جودت وعدت لما كتبه روهان بيك بمذكراته وغفوت ....لم أصحُ إلا بعد غروب الشمس، ومازالت القافلة مستقرة، ولكن جودت والأمهق والكعب ومعهم عدد من الرفاق قد رحلوا، وضاعت فرصتي السانتورية، وضاع معها بعض جرار الذهب، ولكني سُررت حينما أخبرني سالم بأن جودت طلب أن يتركوني نائما.

ذهبت إلى بيبرس ليعطيني القليل من الطعام فرفض، وكأنه يعاقبني على شيء أجهله، فتركته ومررت بجوار خيمة الباشا وإذا بنجمة، تهز رأسها وتخبرني أنهم لم يبتعدوا كثيرا، ودل على ذلك أن الحصان الذي اعتاد الكعب امتطاءه مازال موجودًا فأيقنت بذهابهم سيرا على الأقدام، وكان ستار الخيمة منسدلاً ومُحاطًا بعدد من الحجارة المرصوصة بشىء من النظام لتأمين الخيمة واكتشاف محاولة دخولها -إن حدث- أثناء الغياب عنها.

لم أرغب في البحث عن نعناعة لوجود بيبرس، هذا الخَنُّوص الحقير الذي أخفى بعض العلف قبل نفاده ليحافظ على نشاط حصان سيده؛ فلمعت الفكرة في رأسي وعدت أدراجي إلى نجمة، وسرقت ما تبقى أمامها من علف، وألقيته للحمير، وتوجهت إلى ذلك الخادم الحقير وسألته بعضا من العلف الذي يأكل منه حصان سيدنا الشيخ طبرق لأطعم حصانا آخر، ولو أخبرته أني أقصد فرس جودت لأعطاني ولكنِّي تعمدتُ عدم البوح ليرفض وأُحرض عليه؛ هذا اللعين يبخل على فرس قائد القافلة بالقليل من العلف، ماذا يا ترى سيفعل جودت حينما يعرف!

من بعيد لمحت رشيد الأحمق يطل من بين الصخور برأس الحرذون الذي يحمله بين كتفيه، وكنت أعتقد أنه رافقهم لدفن الذهب، وأخذ يلوح بيده، ولم يكن أمامي إلا أن أذهب إليه، وعلمت منه أنهم لم يأخذوا معهم جرارا، ويبدو أنهم ذهبوا للاستكشاف فقط، وفاجأني حينما قال إن كمية الذهب التي يحتفظ بها جودت بخيمته كبيرة لا يتصورها عقل، وبالإمكان أخذ كمية دون أن ينتبه أحد، وبدأ يصف لي الصناديق، وأيقنتُ صدقه، فسألته:

- وكيف عرفت هذا؟

فأخبرني أنه تسلل منذ ساعة إلى الخيمة وشاهد بأم عينه، فصرخت فيه:

- أيها الأحمق لقد ورطتنا جميعا! الباشا ترك علامات للاستدلال إن اقتحم أحد خيامه!

رد باستهتار وقال:

- لقد أعدت كل شيء مكانه، ولم تنطلِ على الخدعة.

شعرت بالقرف من الاستمرار في جداله، هذا العربي يفكر بمؤخرته، وأوهم نفسه بأن جودت قد وصل لدرجة الغباء بنصب شرك يسهل اكتشافه، ولم يتبادر إلى ذهنه أن جودت ربما أراد بذلك أن يخفي شركا آخر، وها أنا أجد نفسي في ورطة كبيرة، وسأكون أحد المشتبه فيهم، هذا الغبي نسف كل خططي بحماقته، ولابد أن عيني بيبرس اللتين لم تتوقفا عن ملاحقته قد أمسكتا به، نصحته أن يهرب فورا إن استطاع، إلا أنه استهتر -كعادته- فتركته وأخذت أندب حظي، وقد سيطر علي الخوف والقلق في انتظار القادم.

عاد جودت ومن معه، وما إن اقتربوا حتى رأيت بيبرس الخادم يقترب من الكعب ويهمس في أذنه، والآخر يهز رأسه، وطلب جودت مني أن أتبعه وحين وصل إلى مدخل الخيمة توقف للحظات أمام مدخلها، وأخذ يتفحص الحجارة وأزاحها بقدمه، ولم أره يبذل جهدا في تدقيق النظر، ولم يبدر عنه ما يجعلني أشك في شيء، فاطمأن قلبي.

أشعل فانوسا ثم أشار الى أربع جرار تم إغلاقها بعناية، وطلب مني جلب حمار وتحميل الذهب عليه وأخذه للكعب، وبالرغم من صغر الجرار كانت ثقيلة، وبعد انتهائي من التحميل وقبل أن أنطلق قررتُ أداء مناورة سانتورية، تصنمت أمامه وأرخيت عيني وتبرمت، فسألني:

- ما بك يا عزيز؟ لِمَ لا تتحرك؟

أحنيت رأسي وقلت له:

- لم أجد طعاما لنجمة فذهبت إلى خادم سيدي طبرق ورجوته أن يعطيني القليل من علف حصان سيده لأطعمها، إلا أنه رفض قائلاً: "ما معنا من علف لا يكفي لإطعام حصان الشيخ"، وأخشى أن تكون جائعة ولا أستطيع الذهاب قبل أن أطمئن عليها.

كنت أعتقد أنه سينتفض غضبا ويأتي به ويدق عنقه أمامي، ولكنه ابتسم وربَّت على كتفي وقال:

- خيرا فعل.

وأشار إلى زاوية في الخيمة وقال:

- هناك تجد العلف الخاص بها وبإمكانك أن تأخذ لها ما تحتاجه، وتذكر أنه يتم إطعامها في مواعيد محددة، والآن اذهب وسلِّم الجِرار لطبرق، وعد لاستبدال الماء لنجمة.

تصنمت مكاني ولم أتحرك، فقال:

- أسرع قبل أن تتأخر على طبرق.

وبدلا من أن أخرج ولجتُ داخل الخيمة الثانية، فضحك وسأل:

- ماذا تفعل؟

قلت:

- لن أذهب قبل أن أترك لها بعض الطعام، وأنا على ثقة بأنها جائعة، ولا يجوز أن أتركها دون طعام حتى الصباح.

ضحك وقال:

- هيا اذهب وأنا سأهتم بها.

رمقته بنظرة فيها تطاول على مكانته، وعتاب لجرم اقترفه، فأدهشته وقلت بوقاحة مدروسة:

- وكيف أعتمد عليك سيدي وقد دخلتَ الخيمة ولم تكلف نفسك بإلقاء التحية عليها!

لم يرد علي، وتعمدت أن أتجاهله، فأخذت القليل من العلف وأدرت ظهري وتركته، ولا أشك أنه ربما فكر بصفعي على عصياني لأوامره، وحتى لو فعلها لم يكن هذا ليفسد خططي، فدراستي لشخصية جودت وتعلقه بالفرس كأنها أحد أبنائه -إن كان له أبناء- ستدفعه للتمسك بي ولو كنت أبلها.

الأسياد قد تغض الطرف عن بعض تجاوزات الخدم، ولكنهم لا يصبروا على وقاحةٍ وعصيان، وأنا فعلت الاثنتين معا؛ لألفت انتباهه وأثبت له حرصي واهتمامي بحبيبته الغالية نجمة؛ نجحت في ذلك ولكني فشلت في تحريضه على الخَنُّوص بيبرس، ولكني على ثقة بأني قد زرعت بذرة كُره داخله، وذاكرة الإنسان تتجاهل بعض المواقف، ولكنها لا تنساها، وسأعتني بهذه البذرة جيدا حتى تنمو.

أمسكت بطوق الحمار المحمل بالذهب وذهبت للبحث عن الكعب لأسلمه إياه ولم أجده، فاقترب مني رشيد وقال:

- الشيخ طبرق سبقنا وطلب مني أن آخذك إليه.

وأشار بيده إلى الطريق التي سلكها الكعب...لكزني قلبي وراودني إحساس سيئ مثير للريبة، ذاكرتي تستعرض الأحداث، حماقات رشيد كانت مكشوفة ولم تغفل عنه عينا بيبرس، وهمساته قبل قليل في أذن سيده أثارت شكوكي، ولا مكان للمصادفة في طلبه من رشيد مرافقة حمار الذهب في اليوم نفسه! هناك خدعة ما، سقت الحمار وسار رشيد أمامي في طريقنا للكعب الذي ينتظرنا خلف التلة، حسب ادعائه، وفي الطريق أخذ يتمتم لي:

- إنها فرصتنا يا عزيز.

<<<<<<<<<<< نهاية الحلقة 21>>>>>>>>>>>>>>



© 2023 by JarretDahab