جرة ذهب- الحلقة الثانية

تاريخ التحديث: 10 مايو 2018

#جرة_ذهب_الحلقة_2

أمسينا نزلاء المعسكر استجابة لرغبة الملازم الذي رفض أن يفصح عما في الموقع، ولم يكن لديه سوى إجابة واحدة:

- سترى بنفسك غدا.

التمسنا له تبريرًا يقتضي حرصه على ألا تتطاير كلمة إلى مسامع الجند الذين تظاهروا بالانشغال عنا، وقد أرخوا آذانهم لالتقاط أية كلمة من حديثنا.

لم أمتعض كثيرا لتكتمه، ولكني انزعجت لتجاهله لي بقوله لروهان: "سترى بنفسك"، ولم يقل "سترون بأنفسكم"، ولكني لم أنبث عمَّا بداخلي.

غلب النعاس البيك وغفى أثناء الحديث، فأسرع الملازم وأصدر أوامره بتهيئة المكان لنأخذ قسطا من الراحة، حمدت الله على انقضاء هذه الليلة القاسية.

خرجنا من المعسكر، وكان رشيد يجلس خلف مقود سيارة، وقد أصابه التباهي حتى كاد يصيح بأعلى صوته:

- إنها سيارة. هل رأيتم سيارة من قبل؟ لماذا لا تندهشون؟ هيا افغروا أفواهكم من الدهشة، أنا عربي وأقود سيارة!

سارت جيدا بالمنحدر، وكادت تلفظ أنفاسها الأخيرة في المتر الأول للصعود، اقترح روهان على الجنود حملها على أكتافهم والعودة بها إلى لمعسكر، وليتهم فعلوا!

وبعد معاناة مريرة مع هذه المركبة العجيبة، اقتربنا من وجهتنا، ثم اضطررنا للسير على ظهر طرق وعرة، وبعد وصولنا أخبرنا حيان أننا على أطراف مدينة الناصرة، لم نكن على دراية بهذه البلاد لنطمئن لصحة حديثه، وراودني إحساس بأنها ليست الحقيقة، وما كان هذا ليشكل فارقا إن كنا بالقرب من الناصرة أم في مكان آخر، فكل ما يهمنا هو الكهف، وما قد نكتشفه بداخله.

أول ما طالعنا عند وصولنا معسكرٌ ضم خمسة أخبية قذرة ممزقة، يطوَّقها ما يزيد عن العشرين جنديا، ومن بعيد وقف الكثير من أولاد العرب يراقبون بشغف عسكرة الجند، وما اجترأ أحدهم على الاقتراب.

أبدى روهان استغرابه لتلك المغالاة في حراسة موقع أثري؛ فقال حيان:

- حينما ترى ما بالداخل ستفهم السبب.

اقتربنا من الصخرة، وأمر الملازم جنوده بتحريكها فتباطأوا وحاول كلٌّ منهم التملُّص بعدما دبَّ الرعب في قلوبهم وظهر أثره على وجوههم، فثارت ثورة الملازم، وعلى إثر صراخه وتعنيفه تزاحموا لإزاحتها في فوضى عارمة، وهنا تدخل البيك وأعاد ترتيبهم، وبعد زحزحة الضخرة ظهرت فتحة صخرية محفورة تسرب عبرها وميض نوراني من جوف الكهف المظلم، فتاهت عقولنا عن التفسير، وخُلبت أبصارنا عن النظر لسواه، وبُعثنا على التفاؤل، وسرعان ما فاحت رائحة أنعشت أرواحنا وأيقظت جُل حواسنا، وأثارت ريبتنا، فهمَّ روهان قائلا:

- الروائح الطيبة تقتل أسرع من الكريهة.

طلب روهان من الجميع الابتعاد، وحذر من الاستنشاق فابتعدنا جميعا بينما أبت الأنوف التي أغوتها هذه الرائحة الساحرة غير مبالية بالعواقب.

مرت ساعة كاملة قبل أن يُجزم روهان بخلو المكان من أية غازات سامة، جهزنا عدة مصابيح، هشَّمنا زجاج إحداها ليرشدنا ويحذرنا إذا انطفأت الشعلة، حملت حقيبة المعدات وأخذت أهبة الاستعداد لأسبق الجميع، لقد نفد صبري في انتظار اكتشاف ما في الكهف، وها هو أمامي...لقد حانت اللحظة الفاصلة، وحينئذ حدث ما تسبب في قتل إعجابي بالملازم.

اعترض طريقي وأثار غضبي حين تواقح ولم يسمح بدخول الكهف إلا لروهان، سمح لرشيد وحده ليساعد في حمل المعدات حتى مدخل الكهف، ولم يسمح له بالدخول.

حاول البيك أن يقنعه بضرورة وجودي برفقته، ولكن الملازم كان حازمًا في قوله:

- بعد رؤيتك.. عليك باتخاذ قرارك.

أسرع البيك نحو بوابة الكهف الحجرية الضيقة التي بالكاد تسمح بمرور من هو بنصف حجمه، واستغرقه وقت حتى استطاع أن يدفع جسمه الممتلئ عبرها، لن أنسى أبدا وقاحة الملازم، لم تنصرف عن خاطري تلك الطريقة التي قلل بها من احترامي، وحقَّر بها من مكانتي، لقد حرمني مشاركة الاكتشاف بعد كل هذا العناء، لم يعد أمامي شيئًا سوى الانتظار والبحث عما قد يساعدني في تمضية وقت ثقيل الخُطى.

يقف الجند كالأصنام، أفواههم مطبقة، آذانهم صماء، وجوههم عابسة، يراقبون بعضهم بأطراف أعينهم، يعتصرني وجع الفضول، ولست أدري ماذا أفعل.

تجنبت الاقتراب من العرب، اخترت تركيًّا، حدثته؛ أنا الأستاذ الكبير، عالم الآثار المسؤول، عن متاحف تركيا وبلاد الشام والأناضول، أفندي، بيك، باشا، ربطة العنق التي ما زلت أرتديها تؤكد حقيقة قولي، عينا هذا الجندي لم تخفِ استغرابه، لقد سُمح لصاحب الشارب الكثيف المتسول المغبَّر بالدخول، وأنا الأنيق النظيف لم يُسمح لي.

دبَّت الروح في الأصنام المتسمرة، تجمع حولي حفنةٌ من الجند، كنتُ بينهم الأقصر قامة، أخذت أتطاول بعنقي، سألت عن الكهف، لم أنته من سؤالي بعد، تسابق الجميع في الثرثرة، قصُّوا عليَّ ما حدث، تطوع كلٌّ منهم بطريقته؛ يشرح، يحلل، يخمن، امتدحت فيهم براعتهم في تملقي.

كانت ثرثرتهم قليلة الجدوى، يعذبهم الفضول مثلي، جُلُّ ما في جعبتهم لا يتعدى التخمينات، اتفق الجميع على أن الجندي الذي تجرَّأ على كشف المجهول قد أصابته جِنَّةٌ بعدما تلبَّسته الجِن.

لو سمع روهان بيك روايتهم عن الجن والعفاريت لأشهَر سلاحه السري في وجوههم؛ ذلك السلاح أشهره في حلب قبل عدة سنوات، حيثما اكتشفنا موقعا أثريا، يحوي أربعة تماثيل صغيرة من الذهب، وما يفوق الخمسين تمثالاً من الفضة، وعدد كبير من القطع البرونزية، حينها قررنا نقل كل ما في الموقع إلى تركيا، ولكن فاجأنا رفض الجميع دخول الموقع بعدما سرت شائعة الجان الذي يسكن المكان، ليصيب كل من يلمس التماثيل، فخلع روهان بيك بناطله وتبول على سكن الجان حيث أشاروا، وقهقه قائلاً:

- بولي سيطرد عفاريتكم، هيا انقلوا التماثيل إلى العربة قبل أن يزول تأثير بولي السحري.

وعلى الفور غادرت العفاريت عقولهم وتم نقل التماثيل، يومها اقترب مني وهمس في أذني مازحا:

- هل يسكن الجان رأسك لأطرده يا عزيز؟

فأجبته على الفور وأنا على يقين بأنه لن يتردد في التبول علي:

- الخرافات غادرتني منذ لقائي بشاربك العظيم يا بيك.

امتدح إجابتي، وقال:

- أدفع ما تبقى من عمري مقابل تبولي في طربوش السلطان.

امتعضت واستغفرت الله، لقد نشأت على تقديس مولانا؛ فالتطاول عليه يُعدُّ كُفرًا.

لقد طال انتظاري ولم يقدم لي الجند ما يروي غُلَّتي، ويشبع فضولي. قررت أن أتحدث إلى أحد المحليين الذين يراقبوننا من بعيد، ولكن هيهات...لقد كانت لدى رشيد أوامر تمنع أي شخص من مغادرة الموقع، بل ومن التحدث أيضًا، لقد كان هذا العربي الحقير الذراع اليمنى للملازم، وأمين أسراره.

مرَّ وقت طويل والبيك داخل الكهف، والقلق بدأ يساورني، لا أريد أن يصيبه مكروه، سيسعدني إن اختنق الملازم ولم يعد ثانية، لا ينبغي تمضية كل هذا الوقت داخل الكهف دون الخروج لنيل جرعة هواء نقي.

تبدد قلقي حين خرج البيك من الفتحة الضيقة حاسر الرأس، أقصر طولا، وأقل وزنا، وأخذ يصرخ بأعلى صوته كعادته:

- أين الطربوش يا عزيز؟ أين الطربوش؟

ما أحمقني! كان يجب أن أتوقع وأتجنب الحرج، تبًا له ولطربوشه! كان بإمكانه أن يهمس في أذني لطلب طربوشه اللعين، ماذا كان سيخسر لو سألني في كياسة: "أين الطربوش يا أستاذ عزيز أفندي؟" أينتقص من هيبته شيئًا لو حافظ على هيبتي أمام هؤلاء الأوباش.

دوى صوته كالرعد، لفت انتباه الجميع، الجميع يراقب ردة فعلي، الجميع كان يتودد إليَّ منذ قليل، قهرني ذلك الفظ الفوضوي، الذي اكتسى الغبار فوق كِساء الفقراء الملتصق بجسده السمين.

تمنيت لو أن الأرض غيبتني، تظاهرتُ بمخاطبته شخصًا آخر، ولكن لا أحد غيري يُدعى عزيزًا. إصراره على تكرار سؤله ساقني على الرد:

- ربما سقط في الكهف يا بيك.

هزَّ رأسه:

- معقول...معقول...اذهب واحضر لي الماء لأغتسل. أسرع يا عزيز.

قتلني هذه المرة، لو استطعت تبرير أمر طربوشه، كيف سأبرر خدمتي له! كرر البيك ما طلبه وأسقط الطربوش عن رأسي ودحرجه، عراني أمام الجميع، وثيابي الفاخرة وربطة العنق الباشاوية ما عادت قادرة على ستر شخصيتي الحقيقية، خلعت حذائي الإيطالي المدخر، بعدما فقد بريقه في عيون هؤلاء الجند الجهلة المصدومين بما وصل إلى مسامعهم، أيعقل أن هذا الباشا الأنيق الأستاذ الكبير سيقوم بخدمة ذاك العجوز المغبر!

انشغل الجميع بمراقبتي، هل سأصفع العجوز؟! أم سأحضر الماء ليغتسل من قاذوراته؟! لقد حولتني كلمات البيك من باشا إلى خادم، حدثتني نفسي المقهورة:

- لن يعيبك إن تواضعت قليلا.

جلبت الماء، تقمَّصت ثقتي بمكانتي وباشاويتي، ولم يرحمني عزاء نفسي، دعوت الله سرًا أن يغتسل داخل الخيمة، لا تهمني قذارة الخيام الآن، يهمني ساتر يرحمني، يتستر على امتهاني وإذلالي أمام الحشد الذي بذل جهده لتملقي، والتسابق على خدمتي، لو أردت تقبيل يدي لفعلوا، أشك بأنهم سيغفرون لي خداعي، أيقن الجميع بأني لست أكثر من خادم البيك.

استجيبت دعوتي، دخلت الخيمة فإذا به قد تمدد على الأرض وألقى رأسه على إحدى الحقائب، أغمض عينيه، همست بصوت خافت:

- لقد أحضرتٌ الماء.

جاهرت بندائي مقتربًا من أذنيه، كان متجهم الوجه، بدا أكبر من عمره بعشرة أعوام، سربله الغبار، أشفقت عليه، أخذت أمسح الغبار بقطعة قماش جافة عن وجهه وشاربه...لم يستيقظ.

حيرتني هيئته، ثمالته، ما كان ليفترش التراب! أو يلتحف الغبار! أو يتوسد حقيبة متحجرة! اعتاد عنقه الرخو وسادة واحدة، أحملها معي حيثما نذهب، كان يفضل جفاء النوم على توسد غير وسادته اللينة، فوضوي لا يأبه أبدا بما يرتدي، يسخر دومًا من أصحاب الملابس الفاخرة، يردد دائما: "الأناقة تخفي عيوب الجسد لا العقل"، إلا أنه كان مصابا بوسواس الغبار، طوال سنوات رفقتي لم يلامس غبارا إلا واغتسل سريعًا بالماء والصابون، ما كان ليصبر إن أصابه، فقد كان الغبار عدوه الأول.

أيعقل أن عفاريت العرب قد لوثت عقله! كيف غفي دون الاغتسال واحتساء نصف زجاجة عرق!

أعددت فراشه الخاص، وبعض الطعام، وزجاجة عرق، تريثت قليلا قبل إيقاظه ساءلت نفسي:

- ماذا اكتشف بداخل هذا الكهف اللعين ليقلب حياته رأسا على عقب؟! لقد رافقته إلى بغداد وقبرص والشام، دخلنا العديد من مواقع الأثر، لم يكن روهان مثل ذلك قط، هذا ليس روهان بيك الذي أعرفه!

خرجت من الخيمة، خلَّفته نائما، ولم ينشغل بالي بما يتخيله الجنود تجاهي، ما عدت مهتمًا إن كنت مجرد خادم أو أستاذ...أفندي، ما يشغلني فعلا هو ذلك السر الكامن خلف الفتحة الضيقة، لابد أن اكتشف ذلك بنفسي، جلست على صخرة أراقب الجميع، وأنتظر فرصة مواتية لأنسلَّ إلى الكهف.

نصف القمر المضيء كان كافيا ليكشف رؤيتي، طال انتظاري، أصابني الملل، وحين تأكدت أن رشيدًا بعُد عن الكهف، اقتربت من أحد الجند المتصنمين بالقرب من الفتحة، كان جالسا على حجر يتكئ على بندقيته، لو لم يصل إليَّ شخيره لما شككت في نومه. نِعم الحارس هو! الله وحده يعلم في أي حلم هو غارق!

تسللت، انحنيت بجسدي الضئيل، لم أجد صعوبة في عبور الفتحة، أضاء القمر ما وراء المدخل، سهُلت أولى خطاي، لم أحمل معي مصباحًا ينير طريقي، تركت أنفي يبحث عن الرائحة العجيبة التي سرقت عقول الجميع، ولكنه لم يلتقط من عبيرها إلا نفحات يسيرة، يبدو أنها في طريقها إلى التلاشى والاندثار.

عشر خطوات بعد الفتحة الأولى قادتني إلى فتحة أكبر، لم تجبرني الثانية على الانحناء، دخلتها منتصبًا، عدة خطوات تجاه اليمين أوصلتني إلى درج منحدر، زاد عدده عن الأربعين، أخذ يميل بي ناحية اليمين رويدا رويدا، إلى أن قادني إلى الأسفل، ألفيت نفسي في ممر مستقيم لا اعوجاج فيه، يزيد عرضه عن الأربعة أمتار، يتوسطه رسمٌ مذهَّبٌ بطول ذراعي، يتجاوز ارتفاعه الثلاثة أمتار حيث أقف، ويزداد ارتفاعا كلما ذهبت عيوني بعيدا.

<<<<< نهاية الحلقة الثانية >>>>>





© 2023 by JarretDahab