جرة ذهب -الحلقة الثالثة عشر

بدأت أتنقل من واحد إلى آخر بحجة البحث عن قليل من المِلح، ولم أبخل على أحد بابتسامتي الباشاوية، وعيناي تفيض حبا وتواضعا تجاه هؤلاء الخدم الأوغاد، ولم أنسَ التسلح بعشر قطع من شوكولاتة البيك الفاخرة؛ لأكافئ بها من يطيعني؛ هكذا يتم تدريب الكلاب على الطاعة.

لم يشد انتباهي إلا اثنان؛ الأول كان بعيدا عني قليلا، قسمات وجهه أنثوية، وقوامه كذلك، ولكنه لم يكن مزخرفا، والآخر قريب مني، جذبني لمعانه وزخرفته، كان يجلس تحت شجرة على سجادة فاخرة، اقتربت منه، ومذ وقعت عليه عيناي أدركت أنه الشاب المخنث الذي رافق المُلثَّم بمرج ابن عامر لفصل الجمال السمينة عن جمالنا.

أردت التراجع قلقًا؛ ملابسه تشير على أنه غلام مخنث من غلمان السلاطين، شعره أملس، وفي أذنه قرط ذهبي، يدرِّم أظافره بعناية، لا يبدو عليه القلق مثل بقيتنا، اعترض طريقي بعينين مكحولتين ضاحكتين، ورحب بي في غنج، وفرش المطوي من سجادته الفاخرة لأجلس بجانبه.

فضلت الجلوس على العشب كي أبتعد قليلا؛ تجنبًا للشبهات التي ستتناقلها العيون المراقِبة؛ رحَّب بي بكلمات تركية، دلَّع كل حرف فيها ولحَّنه بنعومة صوته المخنث، أخبرني أن اسمه "مالت"، لم أجد معنى لاسمه، وبما أن وجهه يخلو من أي أثر للشعر وجدت أن اسم "ملط" يناسبه كثيرًا.

أعلمته أني الأستاذ الكبير عالم الآثار...وأخذ يسألني أسئلة غبية عن الأهرام، وكنت أجيبه بما أفقه وبما لا أفقه، وكان القلق ينتابني بين الحين والحين، ويُخيل إليَّ أن العرب يحيطون بنا، ويطلقون النار علينا، وظهر ذلك على وجهي جليا، فأخذ يطمئنني وكأنه يسعى ليبدو أكثر شجاعة مني، أخبرني بوجود أكثر من عشرين مسلحا من رجال الباشا لا يتوانون عن حراستنا، إضافةً إلى كتيبة من الجيش يقودها أحد رجاله تبعد عنا أقل من ساعة للتدخل في حالة الطوارئ. وأصر أن أجلس بجانبه على السجادة الفاخرة، ولم أستطع التملص أمام إلحاحه الشديد ففعلت، وأخذ يستعرض أمامي الكثير من المعلومات متباهيا بمكانته. كان قاصدًا إخباري بأنه ليس مجرد خادم، ومن سيفهمه أكثر مني، فأنا أفعل ذلك كل ساعة.

هذا الملط يمتلك مواهبي في التلصص والتقاط الأخبار، ويفوقني في ذلك لأنه ينام بين أحضان إحدى خيم الأسرار، أخبزني أن الوجهة الأولى كانت إلى بيروت، ومن ثم تغيرت إلى بئر السبع وبعد ذلك قرروا التوجه إلى القدس.

بدايةً اعتقدت أن هذا الملط معجب بمكانتي الاجتماعية والعلمية كأستاذ آثار، ولم أُعِر أي انتباه لعدد المرات التي لامس بها يدي ولا بالمرات التي تحسس فيها ملتقى ظهري وفخذي، وهو يغرقني بما كنت أجهلها من أخبار، وحينما اجترأت يداه أيقنتُ أنه يريد مني شيئا آخر.

ارتبكت وتلفَّت حولي، وكان خوفي الأوحد أن يراني حيان أو البيك بصحبة هذا المخنث، اعتذرت في خجل وأدب، ولأنه لاحظ انشغالي عنه في تفحص الخادم الآخر رمى لي طعما قبل مغادرتي، لم أستطع مقاومته، فألقيت بنفسي على سجادته حين أشار بعينيه الفاترتين تجاه الخادم قائلاً:

- أتعرف مَنْ هذا؟

تابعت الخادم المشار إليه فإذا بقوامه أقرب إلى الفتيات منه للرجال، وابتسم الخادم وهز رأسه تأكيدا على دهشتي، فقلت:

- إنها فتاة.

هز المخنث رأسه مؤكدًا، فسألته:

- وماذا تفعل هنا؟

وأجاب في تدلل:

- إنها خادمة الجماعة.

وحين سألته إن كان يقصد الرجل الملثم بالجماعة، تملص وقال:

- سأخبرك فيما بعد يا عزيزووو.

هذا المخنث لن تغريه الشوكولاتة، فتركت ليده القليل من الحرية لملامستي، لعله يجيب على سؤالي، حرصت على ألا يلاحظني أحد، وربما لاحظني الجميع. اقترب منا خادم آخر وهمس بأذنه، فطلب الإذن بالانصراف، ثم طلب أن أحرك مؤخرتي ليتمكن من سحب سجادته، وكان واضحا أن سيده أرسل في طلبه ولا غرابة ماداما عشيقين.

بحثت عن الفتاة، وكانت تجلس بجوار شجرة تلمِّع أداة حادة ذات بريق، وتعيد ترتيب بضعة أشياء داخل صندوق صغير من الخشب والجلد، وفور اقترابي منها أغلقت الصندوق، فأسررت في نفسي:

- تبا للصناديق وأسرارها!

اقتربت منها وسألتها إن كان من الممكن إعطائي القليل من المِلح، ردت عليّ بتركية سليمة رافقتها ابتسامة عذبة:

- انتظر قليلا.

غابت لدقيقة وعادت تحمل معها علبة صغيرة من المِلح، وكيسا ورقيا فيه سكر، وقالت:

- تفضل مِلح وسكر وشاي يا... يا ...

وعلى الفور:

- أنا الأستاذ عزيز أفندي عالم الآثار.

ضحكتْ وكشفتْ عن صفين من اللؤلؤ الأبيض المنظوم، فخفق قلبي ووقع في غرامها من البسمة الأولى، ولم أمنع نفسي من تقبيلها في مخيلتي، وكنت لأعطيها نصف شوكولاتة البيك مقابل قبلةٍ واحدةٍ من شفتيها المكتنزتين المعسولتين، أردت أن أتغزل فيها، وقبل أن أنطق، أصابني ارتباك عظيم، وهربت مسرعا بعدما استأذنتها، وفي الطريق وبَّخت نفسي ألف مرة على الخجل والخوف الذي اعتراني أمام عينيها.

عدت إلى البيك ووجدته يشرب العرق، وثمل حيان بمشاركته؛ فهو لم يعتد الشرب مثل البيك الذي لا يرتوي من بئر عرق. يقول البيك قبل جلوسي:

- (في مصيبة يا عزيز... مصيبة كبيرة.)

دق قلبي وامْتُقع لوني:

- (خير يا بيك شو في؟!)

فقال:

لم يتبقَ معنا إلا زجاجتين من العرق.

أتنهد قائلاً:

- لا ضير...سنتدبر لك عَرَقًا يكفيك حتَّى نهايةِ رحلتك.

وما لا يعرفه البيك أني أخفيت خمس زجاجات في حقيبة أخرى؛ لئلا يسرف في شرابه، ولكنه ثعلب وقد قرأ تعابير وجهي، وقال:

- كم زجاجة أخفيت عني يا عزيز؟

راوغت البيك، وشرعت أروي لهما ما عرفته من أخبار، وتطرقت إلى الفتاة التي ترافق الرجل الملثم، وحيان –كعادته- يسرق مني كل نصر وإنجاز؛ فقال:

- هذا خبر قديم، لاحظتها مُذْ يومنا الأول في مرج ابن عامر.

تحديته أن يصفها لإثبات صدقه ونفي تكذيبه؛ فأسهب في وصفها بدقة متناهية:

- طولها مائة وخمسة وستون سنتيمترًا، قمحية اللون، شعرها خروبي، حنطية البشرة، أنفها صغير، مكتنزة الشفة، وابتسامتها تسحر الساحر، ترتدي في عنقها سلسلة من الفضة معلق بها عدد من الأحرف، ولا تهتم بمظهرها أو ما ترتديه، مثل الأستاذ روهان تقريبا.

أصابتني الدهشة؛ هذا الحيوان أصاب في وصفها وجعلني أبدو أحمقًا في عيني البيك الذي وبخني قائلاً:

كم حذرتك منذ عرفتك أن تبتعد عن نساء الباشوات وأسرارهم! يبدو أنك تستعجل موتك، لقد أخبرتك "كلما قلت معرفتك كلما ازدادت فرصك في النجاة"، سيقتلوننا جميعا، كان هناك أملٌ حينما كنا نجهل، ولكن بعد دفن الجنود بهذه الهمجية صرنا جميعا في عداد الأموات، اكبح فضول القطط الذي يسكنك واصبر، لعلنا نجد طريقًا للخلاص من هذا المأزق!

كلام البيك لم يترك أثرا بالغا في نفسي؛ فهو اعتاد أن يعظني ويبالغ في استنتاجاته، ولكن تأكيد حيان على ما قال هزني قليلا، وعلق حيان:

- إن لم أكن مخطئا، نحن لا نبعد مسافة ساعة عن معسكر طُولكرم، وقد تجنبنا كل الطرق المؤدية إليها، ولو كانت هناك أية نية لذهبوا بالمصابين إلى المعسكر، بدلاً من جرهم وتعريضهم للموت المؤكد؛ أشعر بأنهم سيخفون كل من يعرف أو عرف بالأمر، وأرى أن نلتزم الهدوء، فلدينا فرصة كبيرة للهرب إن دخلنا نابلس أو أطرافها؛ فأنا أعرف كل شبر فيها، وما نحتاجه –فقط- دقائق معدودة بين شعب الجبال لنختفي، أمَّا في هذه الطرق سيتم اصطيادنا بسهولة، ولو سبقناهم بساعة كاملة.

وضع حيان عدة خطط للهرب، وكلها تعتمد على أن نقترب من أي مدينة بطريقنا، فهو أمضى سنوات بفلسطين والأردن وأصبح خبيرا بشعابها، واقترح روهان علينا بأنه من الأفضل أن نهرب ونتركه خلفنا لأنه لن يستطيع مجاراتنا بالركض، لكن حيان رد عليه:

- سنهرب نحن الأربعة معا ولن أترك أحدا خلفي.

وفهمت من كلامه أنه سيصحب رشيدًا الحقير الذي هجرنا، ولم يكلف نفسه بالقدوم لإلقاء السلام، وأصر البيك على أن نعده باستغلال الفرصة المناسبة لنهرب ونتركه، فقال حيان:

- لو شعرت بأنك ستكون عائقًا لهروبنا سنتركك خلفنا.

عينا حيان كانت تقول خلاف ذلك. هذا الرجل يفاجئني كل يوم، ويرغمني على حبه واحترامه. سيتلاشى حقدي له إن أخبرني عن الأسرار التي شاهدها بالكهف طوال الأيام الخمس، عاجلا أم آجلا سيبوح بأسراره، وحتى ذلك الحين سأداوم على كراهيته، وسأكره البيك قليلاً حتى يكمل لي القصة. يداعب النعاس جفناي؛ لذا سأطاوع نداء راحتي، وأتركهم غارقين بأوهامهم الساذجة حول المخاطر التي تحيط بنا.

قضينا ليلتنا واستيقظنا قبيل الفجر على أوامر تحثنا على التحرك بسرعة، وحين تم الانتهاء من إعداد القافلة آن أوان الصلاة، ولكنهم لم يسمحوا للبعض بأدائها؛ لقد كانوا مضطرين للرحيل على عجل.

وعند الساعة العاشرة صباحا وصلنا إلى مكان فسيح تطوقه الجبال والتلال، يقترب من عين ماء غزيرة، والكثير من العشب والشجر...سنحل طيلة النهار ولن نتحرك إلا بعد غروب الشمس.

أعددت قهوة البيك وما توفر من طعام وشاركه حيان، ثم استلقيت في محاولةٍ لجلب النعاس بعضًا من الوقت يكون رصيدا لي أثناء الرحلة، وما إن أرخيت جفنيّ حتى بدأت الجثث تستلقي بجانبي، ففتحت عيناي ألعنهم جميعا، وعدت أتجول باحثا عن كل جديد.

حتى الموت لا أعتقد أنه سيردعني عن معرفة الأسرار وإشباع جوع فضولي، بحثت عن الملط لأتركه يتحسس قليلا مقابل الأخبار، ولم أجده، أعتقده داخل أحد الخيام مع عشيقه الملثم. أبحث عن حيلة تقربني من الفتاة التي سرقت قلبي، ومازالت تجلس وحيدة، إلا أني لم أمتلك الجرأة، وكلما زاد اقترابي زادت رجفتي فألوذ بالهرب، وحينما استجمعت شجاعتي، أمسك بي جمال الدين؛ الذي قاد قافلة المؤن وبعدها أخذ يشرف على الحمالين ويصدر الأوامر، ثم دعاني لمشاركته شرب القهوة التي أعدها في سرية تامة حتى لا يشاركه أحد.

بالرغم من أني كنت متشوقًا لأكتشف سر الهمسات بينه وبين أبي سعد، إلا أنني لم أجد لدي الرغبة حاليا بإهدار وقتي الثمين معه، ولكن ماذا لدي لأفعله غير هذا، اختفت الفتاة بين الخيام، ولا أثر للملط، ولا أشعر برغبة في العودة للاستماع بقصص البيك وعظاته التي لا تنتهي.

جلست بجوار جمال الدين، وكانت هذه المرة الثالثة التي يحدثني فيها بالطريقة نفسها؛ الأولى حينما رافق قافلة المؤن، والثانية حينما عاد بعد أن أفرغ حمولته، وها هي الثالثة، وفي كل مرة يكرر نفس الكلمات:

- أنا جمال من السلط...

هذا العربي له عينا لص، ويحب التشبه بالأتراك، وأنا لم أحبه إلا في يومه الأول حين حمل إلينا المؤن، ورغم أننا أمضينا أياما بالقافلة نفسها، إلا أنها كانت المرة الأولى التي نتحدث فيها طويلاً، ولم أكن أتوقع أنه عربي من هذه البلاد؛ لأنه يتحدث التركية جيدا. أتباهى في حديثي:

- أنا عزيز بيك، من كبار علماء الآثار...

ضحك وقال:

- (والله ما باين عليك لا بيك ولا أفندي.)

أغاظني؛ فأرغمني على ترديد:

- (لعلمك...أنا بيك. وجدي باشا كمان.)

وأردت أن أنفي عنه عربيته، ولكني لم أرد مديحه؛ فقلت:

- (وانت باين عليك عربي ابن عربي.)

قصدت التقليل من شانه، ولمَّا لم يسعده قولي رد بامتعاض:

- (أنا عربي حبيبي، بس تربيت بتركيا وأنا صغير.)

عينا هذا العربي -إن كان عربيا- تشع مكرًا، وبؤبؤ عينه يتراقص بمساحة من الخبث لا البياض، وحينما قال أنا عربي رمش عينيه، وخرجت الكلمة من فمه في ثِقَل. العربي يفصح عن نفسه بزهو قبل أن يُسأل، ثم أخذ يكيل الشتائم للقافلة ومن معها بجرأة منقطعة النظير؛ لا يبالي بأحد، يسألني:

- ما قصة الصناديق؟ ومن هذا الذي لا ينفك ملتصقا بالعجوز؟

جاريت حديثه، وأخبرته أن الصناديق كانت تحوي حجارة قمنا باختيارها لبناء مسجد جديد للسلطان محمد الخامس، فسألني بسذاجة أو تعمَّد الاستغباء:

- من هذا محمد الخامس؟

تخابثت في ردي:

- لقد سمعت أنه أخ لمولانا عبد الحميد.

فسألني:

- ومن حيان هذا؟

فأجبته بأنه يعمل مع البيك روهان، فقال:

- ولكنني سمعته يخبر قائد اللصوص أنه ملازم بالجيش، وقد هرب من الخدمة.

وهنا أدركت أني أمام داهية، وليس مجرد مشرف حمالين، بدايةً سأل عمن يجالس البيك العجوز، ومن ثم ذكر الاسم بوضوح، فأجبته باستغباء:

- وأنا أيضا يوزباشي بالجيش وحاربت بالبلقان، وبعدها ضغط عليَّ الصدر الأعظم لأكون مسؤول المُتحف، ولم أشأ أن أزعله.

ضحك جمال الدين، وربما اعتقد أنْ كلينا يحب المبالغة في وصف مكانته، تركته وتعمدت ألا أتوجه إلى حيان مباشرة لأحذره، وقمت بجولة متمهلاً بهدف التمويه والبحث عن صاحبة الابتسامة الساحرة والشفة الشهية، لأتفحصها جيدا وأمتع عيني بحُسنها، وأثمل بابتسامتها، وأنسى كل هذه الوجوه القبيحة التي تطاردني أينما ذهبت.

لمحتها تجلس تحت ظل شجرة وأمامها إناء نحاسي، وبين يديها ثوب تجهد نفسها في غسله، ووجدت في نفسي الجرأة فاقتربت منها وجلست على مقربة منها، فابتسمت لي، ولم أقاوم سحر ابتسامتها، فأخرجت كل ما في جيبي من قطع الشوكولاتة وقدمتها لها، شكرتني وطلبت أن أضعها بجانبها لأن يديها مبتلتان.

عرفت أن اسمها رباب، ولم تكن مهتمة بالحديث عن نفسها، دار الحديث كله حولي، وسألتني عن البيك، وكيف لعجوز مثله يحتمل مشقة هذه الرحلة، وحينما نظرت ناحيته رأيت في عينيها شفقة تجاهه.

أخبرتها بأنه صديقي، وأننا نعمل سويًّا، وكانت فرصة لأعزز مكانتي، وأسهب في الحديث عن نفسي، ولم ترق لي مقاطعة حديثي لتسأل عن حيان ناطقة اسمه...أخفيت الغيرة التي شعرت بها، وأخبرتها أنه رجل مسكين، نال تعاطفنا مُذ رأيناه جائعا عاريا حافيًا؛ فأشفقنا على حاله؛ أطعمناه ومنحناه ثوبًا ونعلين، ثم قررت توظيفه ليكون خادمي، وكلَّفته الاعتناء بالبيك؛ لهذا يمضي كل الوقت بجواره، ثم حدثت نفسي:

- إن اكتشف حيان ما قلته سيقطع رقبتي، ولكني سأخبره أني فعلت هذا لحمايته والتمويه عن شخصيته.

مر الوقت متعجلاً، وعلى استحياء طلبتْ الإذن بالانصراف، وأخذت معها قلبي والشوكولاتة، لُمت نفسي على تهوري بإعطائها هذه الكمية الكبيرة من قطع الشوكولاتة، كان يجب أن أعطيها قطعة واحدة، وفي كل مرة ألقاها أزيد قطعة حتى تعتاد على طعمها اللذيذ وتبدأ بالبحث عن مزيد.

عدت للزاوية المملة حيث رفاقي المملين، ووجدت الحقير رشيدًا بصحبتهم، وقد فاتني ما دار بينهم من حديث، ورويت لهم ما دار بيني وبين جمال الدين، ونصحت حيان أن يتصرف كخادم؛ حتى لا يشك فيه أحد؛ وأن يتوقف عن التباهي، فرد عليَّ باستخفاف، ليثبت أنه خبير عليم لا تفوته واردة ولا شاردة:

- جمال من "السِرخفية" الصغار، وأمثاله يظهرون متنكرين ومدعين شخصيات كثيرة، ولم يبق َإلا أن يكتبوا على جبينهم أنهم استخبارات.

قلت له:

- ولكن من المستحسن أن تتصرف كخادم لتبعد الشكوك عنك، وبإمكاني أن أساعدك.

وبدلا من أن يمتدح فطنتي وذكائي، ويشكرني على حرصي وخوفي عليه، سخر من عرضي، ولكن البيك لم يشعر بالراحة وانتابه القلق، وطلب من حيان أن يغادر القافلة الليلة مهما كان الثمن، على أن أكون ورشيد بصحبته، ولكن حيان رفض فكرة ترك البيك، وفضل انتظار الفرصة المناسبة.

وأمام إصرار البيك، اتفقنا على الهرب عندما ينتصف الليل، وأخذ حيان يرسم خطته وتخميناته حول الموقع والجبال، ويحدد الأماكن التي تصلح للاختباء إذا افتقد أحدنا صاحبيه، كما حدد نقطة التقاء ثلاثتنا مفضلاً أن يكون هناك فاصل زمني بين توقيتات هروبنا، وطلب من كلينا -في حال حدوث طارئ- أن نتوجه إلى المعسكر السابق لنسأل عن موسى الزعبي مؤكدا على تقديمه المساعدة. وهنا أبلغته أنه من المستحيل أن أستدل على موقع المعسكر، فرمقني البيك بنظرة غاضبة، وقال:

- استخدم ذاكرتك، ولن تفشل.

بذلت جهدا لإقناعهم بتركي؛ فما كنت لأرغب بالهرب وترك قلبي ورائي، حينها كنت على يقين أننا نبالغ كثيرا بتقدير حجم الخطر، ولم يكن أمامي إلا التظاهر بالتزامي مخطط الهروب وبدأت مذ وقتها التفكير في طريقة للبقاء، ولكني جاريتهم إيهامًا بموافقتي.

>>>>>>>> نهاية الحلقة الثالثة عشر<<<<<<<<


© 2023 by JarretDahab