جرة ذهب- الحلقة الاولى

تم التحديث: 10 مايو 2018

أنا أغنى رجل في العالم...مئات الجرار الملآنةِ بالذهب تنتظر عودتي. لا أحد يعرف أين دفنتها، لا أحد يستطيع الوصول إليها، لا أحد يستحق #جرة_ذهب واحدة، أنا ولا أحد سواي يعرف ويستحق كل هذا الذهب
لن أتسرع ولن أثق بأحد. بدايةً سأعود منفردًا وأُخرج جرَّةَ ذهب واحدة، بعدها سأمتهن التجارة حتى تغمض عنِّي العيون، هكذا سأتمكن من التجوال في أنحاء البلاد، وفي كل مرة سأخرج #جرَّةَ_ذهب وأعود بها في صمت
كثيرًا ما حدَّثت نفسي: ماذا سأخسر إن انتظرت قليلا! لن يفسد الذهب، ستعيد الدولة العثمانية بسط سيادتها مجددا على بلاد الشام، وهل خطر ببال أحدهم أن العالم سينقلب رأسا على عقب؟! مَنْ تخيل أن العرب رعاة الشاة والإبل سيتمردون على أسيادهم الأتراك
مرَّ عام تلو العامِ تلو العامْ، ولم يتغير شيء، جرار الذهب تنتظر عودتي، سخر مني القدر، هَرِم جسدي وشاخ، وذاكرتي اللعينة تأبى أن تشيخ؛ تذكرني دومًا بجرائمي التي اقترفتها، ونفسي تحدثني دومًا بأنني أغنى أغنياء الأرض، ولكنِّي –حقيقةً- لا أزيد عن كوني عاجزًا يعيش عالةً على حفيدته الوحيدة، لم أقترب من ذهبي، ولن أقتربَ مُجددًا، ومازال هاتفٌ مجنونٌ يصيح بداخلي بين الحين والحين: "أنا أغنى رجل في العالم!"
أمسكت بقلمي لأرويَ لحفيدتي ولكم القصة الحقيقية لقافلة الذهب الملعونة، وسأتحرى الدقة في روايتي، ستعرفون كيف حوّلت الخراف إلى ذئاب، وستأنفون من قذارة البعض مِمَّن رافق القافلة. وإن تساءلتم كيف لذاكرة عجوز أن تحفظ كل هذه التفاصيل الدقيقة، سأترك لكم اكتشاف الجواب

برقية شقت طريقها في أواخر رمضان عام 1914، من مُتَصَرِّفيّة نابلس إلى بيروت، ومنها إلى إسطنبول، حملها حارس المُتحف إلى بيت روهان بيك؛ عالم آثار في السبعينيات من عمره؛ وقد جرت العادة أن مثل تلك البرقيات لم تكن لتثير اهتمامه، إلا أن هذه البرقية جذبت انتباهه بشدة.

دعاني لأرافقه، ولو علمت حينها ما أعدَّ لي القدر، لاخترت البقاء واستنشاق الغبار بأحد الأقبية اللعينة الباردة، لو علمت...لاستمتعت برائحة الرطوبة والعفن، وما تذمرت من أكوام الصناديق التي تم تكديسها فوق رأسي يكسوها غبار كثيف، تنتظر مني وروهان أن نقوم بتصنيفها.

أنا عزيز أفندي المسؤول الأول عن حفظ كل الآثار الواردة من كافة أرجاء الإمبراطورية العثمانية، أستطيع أن أخبركم عن عدد القطع التي تم فرزها، نوعها، تاريخ وصولها، المكان الذي أحضرت منه، على أي رف تم ركنها، كل ذلك من ذاكرتي دون الرجوع لأي سجل، وما كان أحد يجرؤ على تحريك قطعة من مكانها دون أن أشرف على ذلك حتى روهان بيك نفسه.

أنا الأستاذ عزيز أفندي؛ عالم الآثار الكبير. عذرًا؛ فإنني لا أسعى إلى أن أصيبكم بالملل، ولكني ضعيف أمام أية فرصة تتاح لي لأستفيض في الحديث عن نفسي؛ اسمي، مكانتي، والألقاب التي حزت عليها بجدارة.

وصلنا إلى معسكر للجيش العثماني، بعد رحلة طويلة، توقفنا فيها بحلب ودمشق وبيروت وكان هذا يومنا الأول في فلسطين وعلمنا من مرافقنا أننا بـ "الجليل".

استقبلنا عند مدخل المعسكر ضابطٌ تركي برتبة ملازم أول يُدعى حيان؛ ولم يكن من الأسماء الشائعة بين الأتراك؛ كان في أواخر العشرينيات من عمره، فارع الطول، شديد الوسامة، برونزي البشرة، يتناسق أنفه مع قسمات وجهه، شاربه شديد السواد، تم تهذيبه جيدًا، ابتسامته الواثقة تكشف عن أسنان ناصعة البياض، حليق الذقن، تزين طرف خده شامة بنية صغيرة تسرُّ الناظرين، بِزته العسكرية نظيفة تخلو من أية طيَّات، لم تطمئن ذرة تراب واحدة فوق حذائه الأسود طويل العنق، وقف في كبرياء وعيناه السوداوان الواسعتان تشع ذكاءً، كما تشع مكرًا ودهاء؛ تصرخ في زهو "أنا تركي".

استقبلنا بترحاب لائق...وأخذ روهان يتفحصه بنظراته المستفزة، ويتمتم:

- عظيم عظيم...

ولا بد أن حيان قد تساءل سرًا عن مدلول "عظيم عظيم"، وأنا ما كنت لأتساءل، فقد اعتدت أنه حينما يتمتم بـ "عظيم عظيم"؛ فهو يرغب في استفزاز محدِّثه.

تمنيت ألا ينتهج أسلوبه التهكمي مع هذا الضابط التركي الفخور، وما كان لمريض السخرية هذا أن يكفَّ عن إشباع نهمه باحتقار كل وجهٍ جديدٍ يلقاه؛ يحرِّف الكَلِم عن مواضعه، ينتقي من دلالاته أحقرها، ثم يرسل لسانه السليط يرشها بصاقًا في وجه مَنْ أتعسه حظُّه بالنظر إليه، حين أفصح الملازم عن اسمه وعيه بأذنٍ واعيةٍ، ثم راوغه طالبًا أن يكرره مرات مدَّعيا حاجتَه في سماعه مرارًا ليرسخ في عقله، ولم يكن أمام الملازم الأنيق المهذب إلا أن يصفِّر كببغاء:

- اسمي حيان! حيان، حيان، حياااان...

وعلى الرغم من أن البيك لا يجيد العربية إلا أنه حفظ ما يكفي ويزيد من الشتائم، هز رأسه وبأسلوبه الساخر قال:

- قل لي يا حيوان أين يمكنني التبول؟ وهل بإمكاني خلع هذه البدلة قبل أن تخنقني، فما ارتديتها إلا لتنحنوا لها وتدلكم على أني بيك، ولست من العامة، ورفيقي عزيز أفندي الأنيق يرتدي باشا، وكان يرتدي سلطانًا في عيد الفطر.

لم أشك في قدرة الملازم حيان على تحدثه القليل من العربية، وبخاصة أن أغلب الجنود تحت إمرته من العرب؛ لقد أدرك القصد من تحريف اسمه إلى حيوان، ولم يكن غريبًا أن يمتعض لفعله ويسايره في جلافته، ولكن الغريب حقًا هو ردة فعله؛ لقد تعالى ضحكه -ولم يبد عليه التصنع- مشيرًا إلى مكان قضاء الحاجة، وهو يقول:

- نعرف مكانتك جيدا يا روهان بيك، وبإمكانك أن ترتدي أو تخلع ما تشاء واسمي حيان...حيان وليس حيوان.

رفيقي يرفع الكلفة سريعًا، وقد يهدم حواجز مكانته؛ أخذ يمازح صغار الجند في طريقه إلى قضاء حاجته، وبعدما أفرغ مثانته، استبدل ملابسه الأنيقة -التي أجبرته نازلي هانم على ارتدائها- بأخرى فوضوية لا تليق. لقد أحرجني ذلك كثيرًا، انتقلنا لتناول الطعام، وقد أمر الملازم بإعداده مسبقًا؛ ثلاث دجاجات هزيلة تم تحميرها، حتى كادت أن تتفحم، وبجانبها الكثير من البصل وحبات البندورة والخبز والزيتون.

بدا الامتعاض على وجهي؛ فمثل هذه المائدة تليق بخدم لا بباشوات، أعي جيدًا أننا بمعسكر لا تتوفر فيه أدوات الطعام اللائقة، ولكن هذا لا يمنع تنظيف الخُضَر وتقطيعها جيدًا، وهل ينتظر هؤلاء الهمج منا أن نشاركهم مثل هذا الطعام مهما اشتد بنا الجوع! وإن تواضعنا...هل يجب أن نقوم بتقطيع الدجاجات بحراب بنادقهم الصدئة!

هاجم رفيقي روهان إحدى الدجاجات، وبدأ افتراسها في همجية، وقضم حبة بندورة قضمةَ أحد العوام، وأخذ يتكلم وفمه يكتظُّ بالطعام.

أحرجني كثيرا بهمجيته وقلة تهذيبه، وما كنت لأنحدر نحو هذا الإسفاف، ولكنه الجوع الذي حثني على أن القليل من التواضع لن يضر. أمسكت قطعة من الخبز لتكون حائلاً يمنع اتساخ يدي عند الإمساك بقطعة من الدجاج، ولكنني تأخرت كثيرا؛ فالدجاجات الثلاث قد حلَّقت لحومهم تاركةً خلفها كومةً من العظام، فاكتفيت بتناول عدة حبات من الزيتون لإسكات جوعي، وامتنعت عن قضم البصل الذي أحبه كثيرا.

لقد كان الملازم أقل همجية على مائدة الطعام، وفور انتهائه ذهب لغسل يديه، أما روهان فقد تجشَّأ مُصفِّرا، ولم يحرك ساكنا، فاضطررت أن أرمقه بنظرة غاضبة، لعلها تحثه على أن يعجِّل بغسل يديه. حمدًا لله؛ لقد استجاب وغسل يديه ولكنه جففها بملابسه ورمقني بنظرة قائلاً:

- مبسوطة يا وزة هانم.

ما كنت لأعلق حتى لا ينتبه إلى قصده أحد؛ قصد روهان أن يشبِّهني بزوجته التي ما كانت لتغض الطرف عن تصرفاته المشينة؛ فقد كانت توبخه في أكثر المناسبات قائلة:

- تعلموا الإتيكيت من عزيز، تعلموا الأناقة تعلموا التهذيب، أنتم فضيحة روهان.

أحضر الجندي رشيد إبريق شاي تم تعذيبه لعام كامل فوق النار، فاكتسى بطبقة من السخام تحتاج عامًا آخر لتنظيفها، وعدة أكواب من الزجاج مهشمة الأطراف، تتوجب توخي الحذر الشديد قبل أن تمسها الشفاه، وشرع الملازم يتحدث في حماس عن الصدفة التي قادتهم لاكتشاف الموقع، وجعل جُلَّ حديثه حول المكان وما يحيط به، دون التطرق لما يحويه من آثار.

أصابنا الملل في انتظار انتهائه من سرد التفاصيل التي لا قيمة لها، ولكنه تعمد المراوغة في الرد على أسئلتنا حول محتويات الكهف، بدا حينها أنه يسعى لإثارة فضولنا وإلهاب شوقنا.

امتعض روهان وبرم شاربه الأشعث الفوضوي قائلاً:

- ما رأيك بشاربي يا حيوان؟ هل راقك منظره؟ هل يجب عليّ التستر على غزو الشيب له؟ أم أتركه وحاله؟

قصد البيك أن يكشف لحيان سُخف حديثه وملل عرضه، فلا وقت لديه للمراوغات التي اعتمدها البيك ذاته ليحدد طريقة تعامله معه بِناء على ردة فعله، ولكن فطنة الملازم أنجته من هذا الاختبار؛ فأجاب وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة:

- اسمي حيان ولم أكن حيوانًا قط! أمَّا عن شاربك فيجب عليك أن تضع له حدا، وألا تطلق له العنان أكثر من ذلك، عليك الاعتناء به...عليك ردعه وتهذيبه...يا بيك.

ضحك روهان قائلا:

- أحسنت الجواب يا ولد رغم أنك جمعت بين لساني وشاربي، والآن توقف عن المراوغة وأخبرني ماذا يوجد بداخل الكهف؟

رد عليه بحزم:

- لن أخبرك شيئًا، سترى بنفسك.

كان واضحًا أن الملازم لا يريد الخوض في أي حديث يتعلق بما يحويه الكهف، وأدرك البيك ذلك فسلك طريقة ملتوية في سؤاله:

- أخبرني إذًا، هل تبقى بالموقع شيئا لم تسرقوه بعد؟

حيان:

- لسنا لصوصا يا بيك. اطمئن لم يدخل الموقع غيري، وما كنت لأسمح أن يعبث بإرث السلف أحد.

برم البيك شاربه مرسلا طرف أنفه عاليًا، وقد اتقدت عيناه قائلا:

- لا...لا...واجب الجيش أن يسرق، ثم يسرق، ثم يحرس ما لا يمكن سرقته، يبدو أن هذا الكهف يفتقر لما يباع ويشترى!

لقد صارت بدلة الملازم العسكرية هدفا لا تخطئه إهانات البيك البذيئة، ولم تفارق الابتسامة وجه الملازم بعد؛ فردّ في تؤدة ووقار:

- لم أسمح لأحد بدخول الموقع، وفيه الكثير مما يمكن سرقته.

أعاد البيك شد أنفه عاليًا، مُغلقا عينه اليمنى، ووثب واقفا، ثم أشار بيده قائلا:

- إذًا هيَّا...لنتحرك الآن قبل أن تغير رأيك وتراودك رغبتك في سرقته أنت وجنودك، أو قبل أن يسبقنا أحد قادتك ليمارس واجبه العسكري في سرقته.

الحركات التمثيلية التي صاحبت قول البيك أخرجت حيان عن وقاره بعض الشيء، فعلا صوته مقهقهًا، وفور توقفه اعتذر لائما نفسه؛ لقد كان ودودا، لقد أثار إعجابي حقًا بهدوئه وسعة صدره، طالعت النظر في عينيه التي لاح فيها الكثير من الإعجاب بشخصية البيك الساخرة المستهزئة بكل شيء؛ بدا وكأنه متفق معه بما كال من اتهاماته للجيش، لم يعلن عن ذلك صراحة، بل اكتفى بصمته وطأطأة رأسه بين الحين والحين، ثم فاجأنا بحكوه عندما ضلل قائده، وأخفى عنه ما يزخر به الكهف؛ آملاً في وصول منْ يقدر قيمته...صمت حيان برهة، ثم أرسل بصره تجاه البيك، وقد خالطت ملامحَ وجهه البشوش لمحةُ حزنٍ عميق، ونطق بصوتٍ شجيّ وكأنه حشرجة الصدر:

- إنها جريمة نكراء أن نتعامل مع إرث الأسلاف بهمجية حمقاء.

طال حديثنا الذي كشف عن جوهر حيان الثمين؛ إنَّه من عُشَّاق التاريخ، لقد استطاع حيان أن يثير إعجاب البيك باتساع ثقافته وعظيم اطلاعه، ولم يسع البيك إلا أن يردد عبارة الملازم حيان:

- "جريمة نكراء أن نتعامل مع إرث الأسلاف بهمجية حمقاء". أحسنت يا حيان...أحسنت.

لقد كانت المرة الأولى التي يلفظ فيها البيك اسم حيان دون أن يتعمد تحريفه.

سأل البيك حيان:

- اعذرني أيها الملازم حيان، ألا تخشى أن يسرق جنودك الموقع في غيابك؟

ضحك حيان قائلاً:

- هم مرعوبون من الجان والأرواح التي تسكن الكهف.

وروى ما حدث للجندي كرم من جراء جرأته التي أقحمته في دخول الكهف. ضحك البيك وقال ساخرًا:

- الجان والعفاريت تسكن كُلَّ شبر في بلادنا، حتى طربوش السلطان سكنه من الجان ألوان، ولكن لدي سلاح سري أطرد به العفاريت وأحرقها، وكم أتوق لأطرد العفاريت التي تسكن طربوش مولاكم السلطان!

لا يجوز لي الضحك على أمر ذُكر فيه مولانا، ولكني لم أتمالك نفسي، ليغفر لي مولانا هذه الهفوة، ولو علم السلطان بسر سلاح روهان لأمر بقطع رأسه أولا، ثم لضحك بعد ذلك.

<<<<< نهاية الحلقة الاولى >>>>>




© 2023 by JarretDahab